فماذا كانت نتيجة ذلك التطاول والغرور، والتكذيب بالبعث والحساب؟ لقد كانت نتيجته كما قال تعالى بعد ذلك: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} [1] .
والنبذ: الطرح والإهمال للشيء لحقارته وتفاهته [2] أي: فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم أخذًا سريعًا حاسمًا فألقينا بهم في البحر، كما يلقى بالنواة أو الحصاة التي لا قيمة لها، ولا اعتداد بها.
{فَانظُرْ} أيها العاقل نظر تدبر واعتبار {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} لقد كانت عاقبتهم الإغراق الذي أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم [3] ؛ أي إعتبر بسوء عاقبتهم لأجل ظلمهم أنفسهم بالكفر وظلمهم الرسول بالاستكبار عن سماع دعوته، وهذا موضع العبرة في سوق القصة ليعتبر بها المشركون؛ فيقيسوا حال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بحال دعوة موسى -عليه السلام- ويقيسوا حالهم بحال فرعون وقومه [4] ، إنها عاقبة مشهودة ومعروضة للعالمين، وفيها عبرة للمعتبرين ونذير للمكذبين.
وهكذا يكون نهاية الظلم، ومصير الإصرار على العناد والكفر، سوء العاقبة وإلى جهنم وبئس المصير، ثم ذكر تعالى ما يوجب مضاعفة عذابهم فقال: {وَجَعَلْنَاهُمْ} أي: فرعون وقومه {أَئِمَّةً} في الكفر والفسوق والعصيان بسبب أنهم {يَدْعُونَ} غيرهم إلى ما يوصل {إِلَى النَّارِ} وسعيرها والاحتراق بها [5] . والأئمة: جمع إمام وهو من يُقتدى به في عمل من خير أو شر [6] ؛ ومعنى جعلهم أئمة يدعون إلى النار أي للعمل الذي يوقع في النار من الاستكبار في الأرض بغير الحق وتكذيب الرسل وإنكار وجود الإله، ولم يكتفوا بضلال أنفسهم، بل قاموا بإضلال غيرهم وقادوا
(1) سورة القصص، الأية: 40.
(2) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 409.
(3) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 409.
(4) ابن عاشور، مرجع سابق، 20/ 125.
(5) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 409.
(6) ابن عاشور، مرجع سابق، 20/ 126.