هذا الرد الملزم لفرعون ردا آخر أشد إلزامًا وتوبيخًا فقال: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [1] [2] .
واستعمل اسم الإشارة {تِلْكَ} للدلالة على احتقارها بجانب الاستعباد الذي فرضه على بني إسرائيل، حيث جعلهم عبيدا له ولقومه، وإن كان بعض العلماء ذهب إلى أنه قاله على وجه الاعتراف له بالنعمة، ويبدو أن الرأي الأول أقرب إلى الصواب، لأنه هو المناسب لسياق القصة.
لما وجد فرعون أن تهويله على موسى لم يُجْدِ ولم يقلعه عن دعوته، عَدَلَ ليسأله عن دعوته في تجاهل وهزء {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [3] وهذا السؤال يدل على طغيان فرعون قبحه الله وتجاوزه كل حد في الفجور، فإن هذا السؤال يحمل في طياته استنكارًا أن يكون هناك إله سواه [4] ؛ فأجابه موسى -عليه السلام-: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} [5] أي رب السماوات والأرض، ورب ما بينهما من أجرام وهواء إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء، فإيمانكم بهذا الخالق العظيم وإخلاصكم العبادة له أولى من كل يقين سواه [6] .
لم يعجب الجواب فرعون، والتفت إلى خاصته {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} [7] .
ولكن موسى -عليه السلام- لم يمهلهم حتى يردوا على فرعون بل أكد لهم وحدانية الله تعالى وهيمنته على هذا الكون {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [8] [9] .
(1) سورة الشعراء، الأية: 22.
(2) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 239.
(3) سورة الشعراء، الأية: 23.
(4) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 241.
(5) سورة الشعراء، الأية:24.
(6) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 241.
(7) سورة الشعراء، الأية: 25.
(8) سورة الشعراء، الأية: 26.
(9) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 241.