{قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا ولَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} [1] .
فالسحر لا يستهدف الحق وهداية الناس، ويتضمن عقيدة، وما كانوا ليفلحوا وكل عملهم تخييل وتزييف، وهنا يكشف فرعون وقومه عِلَّة عدم قبول دعوة موسى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [2] والاستفهام في قوله: {أَجِئْتَنَا} للإنكار [3] .
أجئتنا ومعك هذا السحر لتصرفنا عن عقائدنا ونظم حياتنا التي ورثناها عن آبائنا؟ إن عِلَّتَهُم هي التقليد الأعمى، العلة المتكررة في كل عصر، والتي تقوم على معتقدات باطلة مزيفة وأوهام وخرافات، ولم يكتفوا بهذا بل اتهموا موسى وهارون بالحرص على طلب الدنيا والوصول إلى الرياسة حكاية لقولهم: {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} [4] ، إذن هو الخوف على المُلك والسلطان في الأرض، والخوف على مكانهم ورهبتهم في قلوب الناس.
وأراد فرعون مقاومة دعوة موسى، فاستعان بالسحرة لمعارضة معجزة موسى -عليه السلام-، فأمر بإحضار حُذاق السحرة ليُظهر للناس أن ما أتى به موسى نوع من السحر فيصد الناس عن الإيمان به وأتباعه.
ووقعت المبارزة بين المعجزة والسحر، وأبطل الله -تبارك وتعالى- كيد السحرة. وأعلن السحرة إيمانهم برب موسى وهارون، لأنهم أعرف الناس بفنون السحر فعلموا أن هذا ليس بسحر؛ فلم يُرْهِبْهُم تَهديد فرعون، بينما بقية الحاضرين مازالت فكرة ألوهية فرعون مسيطرة على عقولهم، ولذلك لم يعلنوا إيمانهم قال تعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ
(1) سورة يونس، الأية: 77.
(2) سورة يونس، الأية: 78.
(3) ابن عاشور، مرجع سابق، 11/ 250.
(4) سورة يونس، الأية: 78.