مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ [1] قيل: طائفة من أولاد قوم فرعون [2] ، وقال الزمخشري: من ذراري بني إسرائيل، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه، خوفًا من فرعون، ومِنْ ضياع مصالحهم عند أصحاب السلطان، وأجابته طائفة من الشباب، وقيل: الضمير في {قَوْمِهِ} لفرعون و {ذُرِّيَّةٌ} مؤمن آل فرعون وآسيا امرأته وخازنة وامرأة الخازن وماشطته [3] ، كل هؤلاء آمنوا بموسى وبما جاء به عن ربه على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم إن أعلنوا إيمانهم بالتعذيب أو يردوهم إلى ما كانوا عليه.
{وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [4] اعتراض تذييلي مؤكد لمضمون ما قبله، ومقرر لطغيان فرعون وعتوه، والمتجبرون والمسرفون يحتاجون في مقاومتهم إلى إيمان عميق، وإعتماد على الله تعالى وثيق، وثبات يزيل المخاوف ويطمئن القلوب إلى حسن العاقبة، ولذا قال موسى لأتباعه المؤمنين: {يَا قَوْم إِن كُنتُمْ آمَنتُم باللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [5] [6] أراد بذلك إثارة صدق إيمانهم وإلهاب قلوبهم حين تخوفوا من فرعون وملئه، وجعل عدم إكتراثهم ببطش فرعون علامة على إيمانهم.
فاستجابوا لما حثهم عليه من التوكل، وبادروا بالجواب: {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [7] مشتملة على خصوصية القصر المقتضي تجردهم عن التوكل على غير الله تعالى وأشير إلى مبادرتهم؛ بأن عطفت جملة قولهم ذلك على مقولة موسى بفاء التعقيب للأسلوب الغالب في حكاية جمل الأقوال الجارية في المحاورات أن تكون غير معطوفة؛ فخولف الظاهر لبيان صدق إيمانهم
(1) سورة يونس، الأية: 83.
(2) جلال الدين محمد بن أحمد بن المحلى وجلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر السيوطي، تفسير الجلالين، ت: محمد كنعان، ط 1، (بيروت: المكتب الإسلامي، 1409 هـ) ، ص 186.
(3) الزمخشري، مرجع سابق، 2/ 199.
(4) سورة يونس، الأية: 83.
(5) سورة يونس، الأية: 84.
(6) طنطاوي، مرجع سابق، 7/ 119.
(7) سورة يونس، الأية: 85.