ثم يقول الله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا} من أسف أسفًا إذا اشتد غضبه [1] ، {انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [2] فرعون وملأه وجنده في البحر ليناسب ما تفاخر به وهو قوله: {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} [3] فأجراها العلي القدير من فوقه. وماذا بقي من آثارهم؟.
يقول تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ} [4] والسلف بفتح السين وفتح اللام في قراءة الجمهور: جمع سالف. والسالف الذي يسبق غيره في الوجود أو في عمل أو مكان، ولما ذكر الانتقام كان المراد بالسلف هنا السالف في الانتقام، أي أن من بعدهم سيلقون مثل ما لقوا [5] . فيتبعهم كل ظالم يسلك طريقهم ويمضي على آثارهم، ويعمل بعملهم في استحقاق العذاب {وَمَثَلًا} يُمثل به ليقاس عليهم أمثالهم في الكفر والعناد، فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون فيكونوا عبرة وعظة {لِّلْآخِرِينَ} لمن يأتي بعدهم.
هذه هي تصرفات فرعون، وهي تصرفات كل الفراعنة الذين حكموا مصر في تلك الفترة.
كان فرعون مصابًا بمرض نفسي، يصيب القادة والحكماء في كل عصر ومصر، عندما يبتعدون عن الله، ولا يدينون بدين الحق.
إن هؤلاء يرون أنفسهم حكامًا مسئولين، آمرين وناهين، ويرون الآخرين أذلاء مستسلمين، فينسون أنهم بشر كباقي البشر، وأن حكمهم للآخرين فرصة لخدمتهم وتقديم الخير لهم، إن «الفرعونية» ظاهرة مرضية خطيرة، تصيبُ أصحابها في كل زمان ومكان. وإن «فرعون» نموذج مكرر في تاريخ البشرية، يتمثل في كل حاكم يحكم قومه كما حكم فرعون
(1) الزمخشري، مرجع سابق، 3/ 423.
(2) سورة الزخرف، الأية: 55.
(3) سورة الزخرف، الأية: 51.
(4) سورة الزخرف، الأية: 56.
(5) ابن عاشور، مرجع سابق، 26/ 253.