فسليمان ملك عظيم، وجيشه قوي، وجنوده كثر، وهو لا يقبل أن يوجد من تصله يداه وهو كافر دون أن يدعوه إلى الدين القويم، وتوحيد رب العالمين، وعبادة الله الواحد القهار فأرسل الهدهد الذي أتى بالخبر إلى ملكة سبأ وقومها في مهمة دعوية، وسفارة إيمانية، فأعد كتابًا وحمَّله للهدهد وأمره أن يذهب به إلى مملكة سبأ، وأن يلقيه إليهم؛ فرأت الملكة الكتاب وفتحته لتعلم ما فيه، فإذا به كتاب موجه من سليمان -عليه السلام- يدعوها وقومها إلى نبذ عبادة الشمس، والدخول في الإسلام قال فيه: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [1] .
قال البيضاوي:"وهذا كلام في غاية الوجازة، مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع تعالى وصفاته صريحًا أو التزاما، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإسلام الجامع لأمهات الفضائل" [2] .
ثم حدث ما حدث من استشارتها الملأ من قومها، ووصول رأيهم إلى إرسال هدية لسليمان -عليه السلام- ويحكي القرآن لنا رد فعل سليمان -عليه السلام-: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنتُم بهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنهُم بجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بهَا وَلَنُخْرِجَنهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [3] .
وهنا ينتقل سليمان -عليه السلام- إلى المرحلة الثانية من الدعوة إلى دين الله تعالى فلما علم سليمان غرض الملكة، بين لهم أنه رجل عقيدة ومبدأ ومحال أن يراهن على عقيدته بشيء؛ ثم أطلق تهديده القوي الصاعق، وإنذاره الأخير لهم إن لم يدخلوا في الإسلام، أنه سيغزو بلادهم
(1) سورة النمل، الآية: 31.
(2) البيضاوي، مرجع سابق، (4/ 266) .
(3) سورة النمل، الآية: (36 - 37) .