والعدل الحق لا يكون إلا بتطبيق أحكام الشريعة التي تضمنت العدل كل العدل في إعطاء الحقوق لأصحابها وتنظيم العلاقات بين الناس تنظيمًا عادلًا، وإن من أكبر الظلم وأخطره أن يتعدى ملك من الملوك أو حاكم من الحكام على حق من حقوق الله تعالى فيقوم بالتشريع للأمة التي يرعاها، وفي هذا يكون ظالمًا لنفسه بأن عرضها لغضب الله وسخطه وتعدي حدوده وطغى على حق من حقوق الله -عز وجل- لا يجوز إلا له، كما قال فرعون عليه اللعنة: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [1] ، وكذلك يكون ظالمًا للرعية التي تحت يده حيث حرمهم من عدل الله وشرعه، وحمَّلهم من الآثام والأوزار بسبب إجبارهم على التحاكم لغير شرع الله تعالى.
فشريعة الله عدل في نفسها تأمر بالعدل فأما عدلها فقد قال الله -عز وجل-: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [2] والمعنى أنها صدق في الأخبار، وعدل في الأوامر والنواهي، فأخبارها كلها صادقة وأحكامها كلها عادلة.
وأما أمرها بالعدل ونهيها عن الجور، فقد جاءت في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَينْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [3] قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه يأمر بالعدل وهو القسط والموازنة ويندب إلى الإحسان، كقوله تعالى: {إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّابِرِينَ} [4] وقوله: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى
(1) سورة غافر، الأية: 29.
(2) الأنعام، الأية: 115.
(3) النحل، الأية: 90.
(4) النحل، الأية: 126.