أما علي بن أبي طالب الذي كان عمر بن الخطاب يتعوذ من معضلة لا وجود له فيها حيث يقول: اللهم إني أعوذ بك من معضلة لا أبا حسن لها [1] ، فإنه لما عرضت عليه الخلافة بعد استشهاد عثمان أبى وقال: لأن أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا، فأبوا عليه إلا القبول، فقال إذًا في المسجد ولا تكون إلا عن رضى من الناس [2] .
وهكذا أخذ البيعة بالمشورة وظل يستشير أهل الرأي من الصحابة فيما حل بالأمة من فتن وتغيرات يطيش لها الحليم [3] .
هذا وإن تطبيق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لمبدأ الشورى والتزامه بها ونهج خلفائه وصحابته لنهجه فيها دال على لزومها عندهم، وتعينها على الإمام، طلبًا للأصوب والأصلح، وإشراكا للأمة التي وكلته وأنابته عنها في تسيير شؤونها، ولذا فإنه لم ترو لنا حادثة واحدة مما يدخل في مجال الشورى إلا وعرضوها على بساط البحث والمشاورة، وهذا التاريخ وأخبار القضاة والعمال والولاة مدونة بيد الأمانة والصدق، فلماذا إذا ما نراه في بعض البلاد من الاستبداد والتلاعب بمصالح الأمة ومصيرها؟.
وهذا لا شك يدل على أن الشورى من أهم مهمات المُلك الراشد وأنها من أهم الصفات التي يمدح بها، ومن حق الأمة التي وكلت عنها هذا الملك أن يشاورها فيما يريد تنفيذه مما يتعلق بشؤونها.
لذا فإن الشورى من أهم المبادئ الأساسية في قيام المُلك الراشد وتسيير دفة الحكم بعد ذلك وفق نظام راشد عادل.
(1) انظر: مناقبه رضي الله عنه في: فتح الباري 7/ 70 - 74.
(2) الأنصاري، مرجع سابق، ص 96.
(3) انظر: ابن العربي، العواصم من القواصم، مرجع سابق، ص 63 وما بعدها، وانظر: ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، 7/ 59 - 69.