الحالة الثالثة: أن يتآمروا ببعض المعروف، وببعض المنكر، ويتناهوا عن بعض المعروف وعن بعض المنكر، فيخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا ويفعلوا حقًا وباطلًا، ومعروفًا ومنكرًا وخيرًا وشرًا، وهذا هو حال العصاة والفاسقين والمسرفين على أنفسهم.
ومن هنا يتبين لنا ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمُلك الراشد، وأنهما ضرورة بشرية لا غنى عنها لصلاح المجتمع وتماسكه وسلامة سيره، وإستقرار أمره، إذ إن ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يؤدي إلى تفويت مصلحته فحسب، بل هو يؤدي إلى عكسه، وهو ظهور الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وقوته وغلبته فالخسارة مضاعفة والخطب أعظم، فإما أن يسيطر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيخضع المنكر ويستخفي وإما أن يضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يتلاشى، فيسيطر المنكر ويستعلي لأن النفوس أمارة بالسوء، ميالة إلى الشهوات، تحب الإخلاد إلى الأرض، واتباع أهواء النفس، والتحلل من قيود الشرع، مع ما سلط عليها من كيد الشيطان ووسوسته، ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا شرعيًّا، كما هو واجب حسًا وعقلًا لا يجوز تركه والتخاذل فيه [1] .
وبَيَّن الحق تبارك وتعالى أنه سبب خيرية الأمة الإسلامية، وشرط لصحة الانتماء إليها.
قال الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [2] فجعل هذه الأمة خير الأمم بهذا الشرط: وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، قال الإمام الرازي: ثبت في أصول الفقه إذا ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون
(1) صالح الفوزان، عبد العزيز بن فوزان، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ط 1، (مكة المكرمة: دار طيبة الخضراء، 1424 ه) ، ص: 128 - 129.
(2) سورة آل عمران، الأية: 110.