أناس مرجت عهودهم، وانحطت أخلاقهم، وضعف عندهم الوازع الديني وعم فيهم الجهل، فإذا كان الملك قويًا ومهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمة، أحيت قلوبهم، وأيقظت ضمائرهم وهذبت أخلاقهم، وصحت مفاهيمهم. فمنعتهم من ظلم العباد ومنعت من انتشار الجريمة وتحض على زيادة الإيمان وتقويته.
4 -المُلك الراشد سبب للوحدة والألفة والتكافل الاجتماعي وذلك لأن من خلال المُلك الراشد القائم على العدل والمساواة تنتشر المحبة والمودة، والموالاة والنصرة، والتواصل والتكامل والنصح للمسلمين، والاهتمام بأمرهم، والتعاون على البر والتقوى والذب عن حرماتهم ومصالحهم، فكل مسلم يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، ويأتي إليه بمثل الذي يحب أن يؤتي به إليه، ويغار على محارم أخيه، ويدافع عن مصالحه، كما لو كانت محارمه ومصالحه الخاصة به؛ فتسود الألفة بين المسلمين ويكونوا يدًا واحدة أمام أعدائهم ويكونوا يدًا واحدة في تقدم المجتمع وركوبه ركب التقدم وينتشر التواصل والتكافل، والتعاون والتناصر، الذي ينشأ عنه الأمن النفسي والحسي.
5 -المُلك الراشد آمنة من العقوبات الإلهية التي تحل بالمجتمعات الضالة المنحرفة قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [1] فجعل الله تعالى قيام الملك بواجب الإصلاح سببًا لدفع عذاب الله عنهم، وإنجائه لهم.
فالأمة التي يقع فيها الفساد، فيجد من ينهض لدفعه، هي أمة ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير. فأما الأمم التي ينتشر فيها الظلم والفساد، فلا يجدان من يدفعهما ويقاوم انتشارهما أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، كما سنوضح في آثار الملك الفاسد وما حل بفرعون وقومه، وذلك إما بهلاك الاستئصال، وإما بهلاك الانحلال والاختلال، وذلك بنقص الأنفس والثمرات والأموال وذهاب الأمن وزعزعة الاستقرار، وتسلط الظلمة والمجرمين وبهذا نعلم أن
(1) سورة هود، الأية: 117.