الله وقدره واعتبروا السبب الأضعف وهو: النسب والغنى. فالله اختاره صفوة إذ هو أعلم تعالى بالمصالح، فلا تعترضوا على الله -عز وجل- [1] .
وفي قول يوسف عليه السلام في قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [2] ذكر يوسف عليه السلام ثلاثًا من نعم الله عليه اثنتين دنيويتين وهما: نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم والثالثة: أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام، وجعل الذي أوتيه بعضًا من المُلك والتأويل لأن من أوتيه بعضًا من جنس الملك إشعارًا بأن ذلك في جانب ملك الله وفي جانب علمه شيء قليل [3] . فعد يوسف عليه السلام من نعم الله إيتاء الملك ونجد أن الحق تبارك وتعالى في كتابه يعبر بالإيتاء في إعطاء الملك لكي يعي الملوك أن هذا المُلك هو منة من العلي الكبير وأن المُلك مجرد إعطاء دون التمليك المؤذن بثبوت المالكية، للتنبيه على أن المالكية في الحقيقة إنما هي مختصة بالله رب العالمين، وإن المُلك مجرد عارية مستردة لذا عبر يوسف عليه السلام عن المُلك بالإيتاء لأنه عليه السلام يعلم أن المُلك على الحقيقة لله وأنه منة من العلي الكبير. بل إذا أمعنا النظر في آيات الله نجد أن الله هو الذي ينزع الملك ممن يشاء ويثبت الملك لمن يشاء ألم تر قول الحق تبارك وتعالى عن ملك داود عليه السلام: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [4] لقد كان للانتقاء البديع، والاختيار الدقيق للألفاظ فيما شكلته الاستعارة التصريحية في كل من قوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} وقوله تعالى: {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} من تصوير موح وإيجاز معبر، إذ نجد أن الاستعارة التصريحية [5]
(1) ابن عطية، مرجع سابق، (2/ 266) بتصرف.
(2) سورة يوسف، الأية: (101) .
(3) ابن عاشور، مرجع سابق، (13/ 59) .
(4) سورة ص، الأية: 20.
(5) هى نوع من أنواع الاستعارة مبنية على حذف المستعار له (المشبه) وذكر المستعار منه (المشبه به) . (انظر: الجرجاني، دلائل الإعجاز، مرجع سابق، ص 38) .