ولذا نسب الحق تبارك وتعالى التملك لبعض عباده فقال الحق تبارك وتعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [1] .
أي حينما اعترضوا على بعث طالوت ملكًا عليهم رد عليهم نبيهم أن الله -عز وجل- اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم ثم قال: {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ} أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه ولهذا قال: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحق.
وانظر إلى التعبير بلفظة الاصطفاء أي الاختيار من عند الله -عز وجل- والامتنان من عند الله -عز وجل- لا عن قوة وغلبة ثم قال أيضًا: {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ} .
فلما تعنتوا وحادوا عن أمر الله -عز وجل- وهي عادة بني إسرائيل فكان ينبغي لهم إذ قال لهم النبي عن الله: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} أن يسلموا الأمر لله ولا تنكره قلوبهم ولا يتعجبوا من ذلك ولكن قالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} إلى آخره يدل على أنه مركوز في الطباع أن لا يقدم المفضول على الفاضل واستحقار من كان غير موسع عليه، فاستبعدوا أن يتملك عليهم من هم أحق بالمُلك منه وهو فقير والمُلك يحتاج إلى أصالة فيه إذ يكون أعظم في النفوس، وإلى غنى يستعبد به الرجال، ويعينه على مقاصد المُلك لم يعتبروا السبب الأقوى وهو قضاء
(1) سورة البقرة، الأية: 247.