وفي قول الحق تبارك وتعالى عن مُلك ذي القرنين وتمكين الحق تبارك وتعالى لملكه قال تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [1] فالله -عز وجل- مكن له مُلكه في الأرض وانظر كيف يوائم الأسلوب القرآني بين الصورة التي يرسمها، وجرس الحروف التي تشكلها، وبين المعنى الذي يريد إيصاله إلى المتلقي متناسقا مع سياقه، ومتناسبا مع مقامه الوارد فيه، وكل هذه الأبعاد الجمالية وإيحاءاتها قد توافرت بقوة في الاستعارة التمثيلية: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} التي صورت قوة سلطان ذي القرنين، ورسوخ مُلكه، وعظمة تصرفه، الذي لا يستطيع أحد زعزعته، أو إضعاف قبضته عليه [2] .
من خلال إعطاء معنى التمكين في الأرض من دلالة على الثبات والاستقرار، وذلك إن التمكين مأخوذ من المكان الذي هو موضع الشيء [3] «والتمكين من الخصال الملازمة للملك القوي؛ ولذلك كانت تقول العرب إن بني فلان لذو مَكَنِة من السلطان أي تمكن» [4] . وصورت الاستعارة التمثيلية مدى عمق مُلك ذي القرنين، وهيبته بين الأمم والدول من خلال الكاف المشددة وجرسها الشديد [5] والنون المشددة وصوتها الرخو الذي من شدة رخاوته لا يحدث أي حفيف أو صفير فضلًا عن الألف بصوتها الواضح، إذ يوحي هذا البناء الصوتي بالقوة العظيمة التي ترتخي أمامها الأرض مستسلمة لما نفذ فيها واستقر في إحشائها وعلا وارتفع فوق سطحها شهرة ومجدا، وقد تواشجت الاستعارة التمثيلية مع سياقها إذ عطف النص القرآني عليها ما يتناسق مع مراميها ومعانيها وهو قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} الذي بدأ مضمون الاستعارة فيه واضحًا، وجليًا بصورة موجزة موحية، إذ يبين مدى ما وصل إليه ذو
(1) سورة الكهف، الأية: 84.
(2) ابن عاشور، مرجع سابق، (16/ 35) .
(3) الفيروزأبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، (دار الجيل) ، مادة"مكن"، 4/ 274.
(4) الأزهري، مرجع سابق، مادة:"مكن"، 10/ 293.
(5) أنيس، إبراهيم، الأصوات اللغوية، ط 5، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية) ، ص 23.