فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 360

القرنين من اقتدار، وتسخير لأسباب الأرض، وإن هذه العبارة لتنبض بذلك كله، من خلال ما يؤمي إليه الفعل الماضي (أتيناه) من شدة العطاء [1] وثباته، أضف إلى ذلك ما يعطيه التركيب الإضافي (كل شيء) المستعمل هنا في الأشياء الكثيرة والعظيمة [2] من إشارة واضحة إلى شدة تسخير أسباب الأرض له، وحقيقة السبب الحبل [3] «وأطلق هنا على ما يتوصل به إلى الشيء من علم أو مقدرة أو آلات التسخير على وجه الاستعارة» [4] وزاد من جمال الاستعارة التمثيلية ورودها في بداية ذكر خبر ذي القرنين الذي تناسبت قصته، مع القصة السابقة وهي قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، ذلك أن ذا القرنين طاف الأرض جهادًا في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، وموسى عليه السلام طاف الأرض طلبًا للعلم والحق.

ومما يضفي على الاستعارة قوة وعمقا تناسقها مع مقام العبرة التي راعها النص القرآني من خلال إسناد التمكين لذاته تعالى، مع إجمال الأسباب التي توصل بها ذو القرنين إلى ما وصل إليه من العز والسلطان، توجيهًا للإنسان كي لا يغتر فيتكبر أو يقعد عن الأخذ بالأسباب، فلا يكون له أثر يذكر في هذه الحياة الدنيا.

فالله جل وعلا هو الملك على الحقيقة يعطي من يشاء قسمًا من الملك يمتن به على بعض عباده لذا صحة إضافة الملكية لغير الله تعالى كما أن مُلك الإنسان ليس مُلكًا ذاتيا من عند نفسه ولكنه معطىً إياه من قبل الحق تبارك وتعالى، فليس لأحد من الخلق ملكية مطلقة لأي شيء إنما هي ملكية معارة من الملك الحق؛ فعلى الملك البشري أن يعلم هذا لكي يتقي الله في نفسه وفي رعيته وإلا تحتم على المجتمع رده إلى الصواب الذي يرتضيه الله

(1) السنجاري، حسن طه الحسن، توكيد مضمون الجمل بتتبيع الترادف في القرآن الكريم، ط 1، (الموصل: دار الإنتصار) ، ص 158.

(2) ابن عاشور، مرجع سابق، 16/ 24.

(3) الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد، تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: احمد عبد الغفور عطار، ط 3، (بيروت: دار العلم للملايين، 1984) ، مادة:"سب"، 1/ 145.

(4) ابن عاشور، مرجع سابق، 16/ 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت