وقد استطاع الهدهد بهذه المفاجأة أن يستجلب انتباه سليمان، ويشد خاطره، ويعمل تفكيره، ذلك أن: «معرفة أحوال الممالك والأمم، من أهم ما يعني به ملوك الصلاح، ليكونوا على استعداد بما يفاجئهم من تلقائها، ولتكون من دواعي الإزدياد من العمل النافع للمملكة، بالإقتداء النافع من أحوال غيرها، والانقباض عما في أحوال المملكة من الخلل بمشاهدة أثار مثله في غيرها» [1] .
وحتى يفصح الهدهد عن مفاجأته قال: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} .
وسبأ هم: «حمير، وهم ملوك من اليمن» [2] .
وهي «أرض باليمن، مدينتها مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، وسميت هذه الأرض بهذا الاسم كأنها كانت منازل ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان» [3] .
وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن سبأ رجل ولد عشرة من العرب، تيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة [4] .
ومعنى تيامن: قصد جهة اليمن، وتشاءم: قصد جهة الشام [5] .
وبين كلمتي (سبأ) و (نبأ) جناس مضارعة [6] ، وهو أحد المحسنات البديعية، فهو:
(1) ابن عاشور، مرجع سابق، (9/ 249) .
(2) ابن كثير، مرجع سابق، (3/ 361) .
(3) الحموي، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، (بيروت: دار الفكر) ، (3/ 181) مختصرًا.
(4) سنن أبو داود، كتاب الحروف والقراءات، ص 793، رقم الحديث (3988) . وسنن الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة سبأ، ص 955، رقم الحديث: (3222) وقال عنه الترمذي: حسن غريب.
(5) ابن الأثير، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، جامع الأصول من أحاديث الرسول، ط 1، (بيروت: دار الفكر، 1417 هـ- 1997 م) ، (2/ 119) .
(6) الجناس المضارع هو نوع من أنواع الجناس ومعناه أن تجمع بين طرفي جناس لا اختلاف بينهما إلا في حرف واحد متحد في المخرج أو متقارب مع نظيره في الطرف الآخر. (المطعني، عبد العظيم، البلاغة 2،(جدة: دار الأندلس الخضراء، 1425 ه-2005 م) ، ص 351.