«تعبير جميل لفظًا دقيق معنى: ألا تراه لو قال: (وجئتك من سبأ بخبر) لاختل اللفظ والمعنى معًا!!! لأن الخبر يراد به مطلق الخبر، أما النبأ: فلا يقال إلا للخبر العجيب الهام الملفت للنظر» [1] .
لقد وصف النبأ باليقين: فهو خبر عجيب محقق لا شبهة فيه. إنه خبر صادق صحيح لا يتطرق إليه الشك، وغير مبني على التخمين والخرص، وهكذا ينبغي أن تكون الأخبار ونقلتها.
ثم بدأ الهدهد بتقديم تقريره بعد أن قدم عذره، واستحوذ على إهتمام سليمان، وجذب نظره إليه، فقال: «إني وجدت امرأة تملكهم» . إذن فنظام الحكم في (سبأ) كان نظامًا ملكيا، وهذا ليس غريبًا على أنظمة الحكم في العالم القديم، فقد كان أكثرها ملكيا. لكن الغريب في الأمر أن الملك في تلك البلاد امرأة وليس رجلًا ذكرًا!!! وقد ذكر معظم المفسرين أن اسمها (بلقيس) . وهناك اضطراب كبير بين المؤرخين والمفسرين في ترتيبها مع ملوك سبأ وتعيين اسمها، واسم أبيها وأصولها.
قال صاحب التحرير: «والموثوق به أنها كانت معاصرة سليمان، في أوائل القرن السابع عشر قبل الهجرة، وكانت امرأة عاقلة، ويقال: هي التي بنت سد مأرب، وكانت حاضرة ملكها مأرب، مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة مراحل» [2] .
وقد بالغت الإسرائيليات في نسج الأساطير حولها حتى ذكرت في بعضها أن أحد أبويها كان جنيًا، وأن مؤخر قدميها مثل حافر الدابة!!! وذكروا في عدد من تملكهم أرقاما خيالية لا يستسيغها العقل!!! [3] .
(1) شعراوي، مرجع سابق، (17/ 10769) .
(2) ابن عاشور، مرجع سابق، (9/ 252) .
(3) ابن كثير، مرجع سابق، (3/ 361) .