وملكة سبأ امرأة حصيفة عاقلة، علمت أن الأمر جد خطير، فلم تشأ أن تنفرد في اتخاذ القرار، بل دعت إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس شورى المملكة، فحضروا وانعقد المجلس -وهم لا يعرفون سبب هذا الاجتماع- {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [1] .
والملأ: هم علية القوم وأشرافهم والمستشارون منهم، سموا بذلك: لأن رؤيتهم تملأ العيون.
قال الراغب: «الملأ جماعة يجتمعون على رأي فيملئون العيون رواءً ومنظرا، والنفوس بهاءً وجلالًا، يقال: فلان ملء العيون. أي: معظم عند من رآه كأنه ملأ عينه من رؤيته» [2] .
وقولها: (ألقي) جاء بصيغة المجهول، وهذا يدل على أنها لا تعلم من ألقى الكتاب ولا كيف ألقاه؟؟؟ قال صاحب الظلال [3] : «فهي تخبرهم أنه
(1) سورة النمل، الأية: 32 - 35.
(2) الراغب الأصفهاني، مرجع سابق، ص (526) .
(3) هو سيد قطب بن إبراهيم (1324 - 1387 هـ = 1906 - 1967 م) : مفكر إسلامي مصري، من مواليد قرية (موشا) في أسيوط. تخرج بكلية دار العلوم (بالقاهرة) سنة 1353 هـ (1934 م) وعمل في جريدة الاهرام. وكتب في مجلتي (الرسالة) و (الثقافة) وعين مدرسا للعربية، فموظفا في ديوان وزارة المعارف. ثم (مراقبا فنيا) للوزراة. وأوفد في بعثة لدراسة (برامج التعليم) في أميركا (1948 - 51) ولما عاد انتقد البرامج المصرية وكان يراها من وضع الانجليز، وطالب ببرامج تتمشى والفكرة الإسلامية. وبنى على هذا استقالته (1953) في العام الثاني للثورة. وانضم إلى الإخوان المسلمين، فترأس قسم نشر الدعوة وتولى تحرير جريدتهم (1953 - 54) وسجن معهم، فعكف على تأليف الكتب ونشرهاوهو في سجنه، إلى أن صدر الأمر بإعدامه، فأعدم. قال خالد محيي الدين (أحد أقطاب الثورة المصرية) فيما كتب عنه: كان سيد قطب قبل الثورة من أكثر المفكرين الإسلاميين وضوحا، ومن العجيب أنه انقلب - بعد قيام الثورة - ناقما متمردا على كل ما يحدث حوله، لا يراه إلا جاهلية مظلمة. وكتبه كثيرة مطبوعة متداولة، منها (النقد الأدبي، أصوله ومناهجه) و (العدالة الاجتماعية في الإسلام) و (التصوير الفني في القرآن) و (مشاهد القيامة في القرآن) و (كتب وشخصيات) و (أشواك) و (الإسلام ومشكلات الحضارة) و (السلام العالمي والإسلام) و (المستقبل لهذا الدين) و (في ظلال القرآن) و (معالم في الطريق) . ولما وصل خبر استشهاده إلى الغرب أقيمت على روحه صلاة الغائب وأصدر أبو بكر القادري عددا خاصا به من مجلة (الايمان) ولما كانت النكسة (أو النكبة) عام 1967 م، قال علال الفاسي: ما كان الله لينصر حربا يقودها قاتل سيد قطب .. وكتب إبراهيم بن عبد الرحمن البليهي (من طلاب كلية الشريعة في الرياض) مجلدا سماه (سيد قطب وتراثه الأدبي والفكري - ط) . (الزركلي، الأعلام، 3/ 147 - 148) .