فخرج بقوله الثابت بالخطاب رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية، أي عدم التكليف بشيء.
نعم، فإن فرض الأحكام ابتداءً هو رفع للبراءة الأصلية، فلا يعتبر -يعني- ما شرع من الأحكام ابتداء ناسخا للبراءة الأصلية، بل النسخ إنما يكون رفعا لحكم شرعي، يكون النسخ رفعا لحكم شرعي، لكن رفع البراءة الأصلية لا يعتبر نسخا.
نعم يا شيخ ..
وبقولنا بخطاب المأخوذ من كلامه الرفع بالموت والجنون.
نعم، ولما قال أنه لا بد أن يكون الرافع خطابا، الذي أُخِذَ من كلام الجويني قال: يفهم من هذا أنه لو ارتفع الحكم بالجنون فلا يعتبر نسخا؛ فإن المجنون يرتفع حكم التكليف عنه، فلا يعتبر رفع الحكم عن المجنون نسخا.
نعم ..
وبقوله على وجه إلى آخره ما لو كان الخطاب الأول مُغَيًّا بغاية أو معللا بمعنى مصرح، وصرح الخطاب الثاني بمقتضى ذلك.
نعم، يقول: لو كان مثلا محددا إلى غاية، ثم انتهت الغاية، فلا يعتبر انتهاء هذه الغاية نسخا، نعم، وسيذكر المؤلف مثالا على ذلك.
نعم ..
فإنه لا يسمى ناسخا للأول، مثاله قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [1] فتحريم البيع مغيا بانقضاء الجمعة، فلا يقال إن قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [2] ناسخ للأول بل بين غاية للتحريم بل بين غاية التحريم. -نعم، المثال الثاني، ثم ذكر مثالا آخر، نعم- وكذلك قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [3] لا يقال نسخه قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [4] لأن التحريم للإحرام قد زال وخرج بقوله مع تراخيه عنه ما اتصل بالخطاب من صفة أو شرط أو استثناء.
نعم، ما اتصل بالخطاب من صفة أو شرط أو استثناء فإنه ما يعتبر نسخا، وإنما يعتبر ماذا؟ مخصصا، يعتبر تخصيصا، نعم، كما في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [5] وفيه أيضا آية القذف: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} [6] فإن هذا الاستثناء متصل، فلا يعتبر، فلا يعتبر نسخا، بل يعتبر تخصيصا.
أيضا هناك تعريف للنسخ قد يكون أدق من هذا التعريف، وهو أن النسخ هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه، بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه، فقوله: (بيان انتهاء حكم شرعي) يفيد البراءة الأصلية، وقوله أيضا: (بطريق شرعي) يفيد أيضا ما كان من طريق ما يصيب المكلف من جنون وغيره، وقوله (متراخٍ عنه) يفيد التخصيص.
بقي معنا الإشارة، هل الإجماع ينسخ أو يحصل به النسخ؟ قال العلماء: لا، الإجماع لا ينسخ، ولا يحصل به النسخ، لماذا؟ قالوا: لأن الإجماع إنما يكون بعد
(1) - سورة الجمعة آية: 9.
(2) - سورة الجمعة آية: 10.
(3) - سورة المائدة آية: 96.
(4) - سورة المائدة آية: 2.
(5) - سورة آل عمران آية: 97.
(6) - سورة آل عمران آية: 89.