أصحاب القول الأول الذين يقولون بأنه لا مجاز لا في اللغة والقرآن، يقولون: إن المجاز حادث، وإن أصل إنشاء المجاز أو أصل القول به إنما قال به أهل الكلام ليتوصلوا به إلى نفي الصفات، فإذا يعني قيل: إن لله يد فسروها بالقدرة، والرحمة فسروها بالإنعام وغيرها من التفسيرات، وقالوا: إن اليد يعني: القدرة من باب المجاز، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [1] قالوا: هذه يعني: القدرة، وكل ما ورد من الصفات ثابتة في الكتاب والسنة يؤولونها عن طريق المجاز.
وأيضا من أدلة من يقولون بنفي المجاز، يقولون: إن من شأن المجاز ومن طبيعته ومن خصائصه أنه يصح نفيه، من حقائق المجاز أنه يصح نفيه، فإذا قلت مثلا: فلان أسد، هذا حقيقة وللا مجاز؟ مجاز، يقول للسامع أن يقول: والله فلان ليس بأسد، فالمجاز من شأنه أنه يصح نفيه، فإذا فُتِح يعني أو قيل بالمجاز في القرآن، معناه أنه أصبح في القرآن شيء يصح نفيه، والقرآن منزه عن ذلك.
ثم يقول هؤلاء -أصحاب القول الأول الذين يقولون بالمجاز- يقولون: ما الداعي لكل هذا مع أن هذه كلها -يعني- أسلوب من أساليب العرب، فكل ما أوردتم من الآيات على أنها من باب المجاز هي أسلوب تعرفه العرب، مثل {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [2] قالوا: هذا أسلوب من أساليب العرب؛ لأن القرية تطلق على الأهل وتطلق على المنازل والبيوت، تطلق على القرية نفسها، يعني أرضها ومكانها، وتطلق على الساكنين إطلاقا عربيا صحيحا ليس من باب المجاز.
{جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [3] قالوا: الجدار له -يعني- إرادة تخص بحسبه، نعم يا شيخ ..
من أول يا شيخ، والمجاز ..
والمجاز ما تجوز، أي تعدي به عن موضوعه، هذا على المعنى الأول للحقيقة، وعلى الثاني هو ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة، والحقيقة إما لغوية بأن وضعها أهل اللغة.
نعم .. هذه الحقيقة الوضعية بأن وضعها أهل اللغة نعم .. ودائما يقول كلمة أهل اللغة ما يقصد بأهل اللغة علماء اللغة، لا، يقصد بأهل اللغة الأوائل، الذين على القول بأنهم اصطلاحيا اللي اصطلحوا عليه، هذا مقصوده نعم. والحقيقة إما لغوية ..
والحقيقة إما لغوية: بأن وضعها أهل اللغة كالأسد للحيوان المفترس، وإما شرعية: بأن وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة، وإما عرفية: بأن وضعها أهل العرف العام كالدابة لذات الأربع كالحمار، وهي لغة لكل ما يدب على الأرض أو الخاصة كالفاعل للاسم المرفوع عند النحاة، وهذا التقسيم ماشٍ على التعريف الثاني للحقيقة دون الأول القاصر على اللغوية.
قسّم المؤلف -رحمه الله- الحقيقة إلى لغوية وهي الوضعية التي وضعها -كما قلنا- أهل اللغة الأوائل على أنها اصطلاحية، أو إنها وجدت -يعني- نزلت مع آدم، هذه هي الحقيقة اللغوية الباقية على أصلها، أو الشرعية بمعنى أن الشارع أطلقها وإن كان لها معنى في اللغة، والشارع أطلق بعض الأسماء على بعض العبادات وبعض الأشياء
(1) - سورة المائدة آية: 64.
(2) - سورة يوسف آية: 82.
(3) - سورة الكهف آية: 77.