فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 220

الذي صَرفهمْ عنْ قِبلتِهمُ الأولى؟ وخاصَّةً أنَّ اليهودَ كانوا يتذرَّعونَ بأنَّ الاتجاهَ إلى بيتِ المقدسِ يَعني أنَّ دينَهمْ هوَ الأصل، وأنَّهُ هوَ الصَّحيح. فصَاروا يُلقُونَ بذورَ الشكِّ والشائعاتِ في صفوفِ المجتمعِ الإسلاميّ، حولَ مصيرِ صلواتِهمُ السابقة، وسببِ الانتقالِ منْ قِبلةٍ إلى أخرى، وأنَّهُ يدلُّ على عدمِ السدادِ، فليسَ بوحي ... !

فسمّاهمُ اللهُ تعالَى"السفهاء"، وهمُ الذين خفَّتْ عقولُهم، وامتَهنوها بالتقليدِ والإعراضِ عنِ التدبُّرِ والنظَر، أو أنَّ السفيهَ هوَ الكذّابُ المتعمِّدُ خلافَ ما يَعلم، أو الظَّلومُ الجَهول. فإنَّ اللهَ تعالَى لهُ مطلقُ الحكمِ والتصرُّفِ في الأمر، فلهُ المَشرِقُ والمَغرِب، الجهاتُ كلُّها له، فأينَما حدَّدَ القِبلةَ يتوجَّهُ المؤمنونَ إليها دونَ اعتراض، ما عَليهمْ إلا الطاعَةُ وامتثالُ الأمر. والكعبةُ أشرفُ بيوتِ اللهِ في الأرض، فهي بناءُ إبراهيمَ عليهِ السلام. ويَهدي اللهُ مَنْ شاءَ مِنْ عبادهِ إلى نَهجهِ الصحيحِ إذا رأى فيهمْ نيَّةً وتوجُّهًا إليه، أمّا السفهاءُ ففي الغَيِّ والضلالِ يَتَخبَّطون.

قال الله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (البقرة: 142)

ثم بيَّنَ سبحتمهُ أن الموقفَ الصحيحَ من أمرِ اللهِ تعالَى هو الامتثالُ له:

{لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} (البقرة:177)

فليستِ الغايةُ منَ التوجُّهِ إلى المشرقِ والمغربِ هوَ الجهةُ بعينِها، ولا القيامُ بحركاتٍ ظاهرةٍ نحوَها، فلا تَكمُنُ الخيريَّةُ في هذهِ الأمورِ مجرَّدةً عنِ الدافعِ منْ ورائها وطاعةِ الآمرِ بها، فجِماعُ الخيرِ هوَ في العَقيدةِ الصَّحيحَة، والطاعةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت