الدنيا مَثوبَةٌ حسَنةٌ وحَياةٌ طَيِّبَة، وفي يَومِ القِيامَةِ جَزاءٌ أفضَلُ وحَياةٌ أنعَمُ وأهنأُ ممّا أُوتوا في الدُّنيا، ونِعمَ الدارُ الآخِرةُ لمَنِ اتَّقَى ربَّهُ وصبَرَ على طاعتِه.
قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
أي أنَّ الأنصارَ الذينَ اتَّخَذوا دارَ الهجرَةِ مَنزِلًا وسَكنًا قَبلَ المُهاجِرين، وآمَنوا قَبلَ كثيرٍ منهم، يُحبُّونَ إخوانَهمُ الذينَ هاجَروا إليهم، ويُواسُونَهم، ولا يَتبرَّمونَ مِنْ حَوائجِهم، ولا يَجدونَ في نفُوسِهمْ حَسدًا لهمْ ممَّا أُعطُوا مِنْ فَيءٍ وغَيرِه، ويُفَضِّلونَهمْ على أنفُسِهمْ في كُلِّ شَيء، ولو كانَ بهمْ حاجَة، ومَنْ مَنعَ نَفسَهُ مِنَ البُخلِ والحِرصِ على المَال، فقدْ أفلحَ وفاز.
وفي حديثِ جابرٍ المرفوعِ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم:"واتَّقوا الشُّحّ، فإنَّ الشُّحَّ أَهلَكَ مَنْ كانَ قَبلَكم، حملَهمْ على أنْ سفَكوا دِماءَهم، واستَحلُّوا مَحارِمَهم". رَواهُ مُسلم.
والشُّحُّ أشَدُّ البُخل، وأبلَغُ في المَنعِ مِنَ البُخل. وفيهِ أقوالٌ أخرى ذكرَها النَّوَويُّ في شَرحِهِ على صَحيحِ مُسلم.
{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
والذينَ جاؤوا بعدَ المُهاجرينَ والأنصَار، واتَّبَعوا آثارَهمُ الحسَنة، يَقولونَ في دُعائهمُ الطيِّبِ ما تَفسيرُه: ربَّنا اغفِرْ لنا ذُنوبَنا، ولإخوانِنا في الدِّين، الذينَ سبَقونا بفَضيلَةِ الإيمَانِ بكَ وبرَسُولِك، ولا تَجعَلْ في قُلوبِنا حسَدًا وبُغضًا للَّذينَ آمَنوا، ربَّنا إنَّكَ كثيرُ الرَّحمَةِ بالنَّاس، قدْ وَسِعَتْ رَحمَتُكَ كُلَّ شَيء.