فأهلكَهمُ اللهُ بزَلزَلةٍ شَديدةٍ مِنْ تحتِهم، وصَيحةٍ قويَّةٍ مِنْ فَوقِهم، فأصبَحوا في ديارِهمْ خامِدين، موتَى هامِدين، لا حَرَاك بهم، ولا حِسَّ فيهم.
فأعرضَ عنهمْ صالحٌ وهوَ مُتَحسِّرٌ على ما فاتَهمْ منَ الإيمان، وخاطَبَهُمْ كما خاطبَ رسولُنا صلى الله عليهِ وسلم موتَى المشرِكينَ في غَزوةِ بدر: يا قوم، لقدْ أبلغتُكمْ رسالةَ ربِّي كما طَلبَ منِّي، وكانَ فيها فوزُكمْ ونجاتُكمْ لو أطعتُمْ ولم تُعانِدوا، ونَصحتُكمْ كما يَنبغي، وأنا مُشفِقٌ عليكم، وودِدْتُ لو آمنتُمْ عنْ آخِرِكم، ولكنَّكمْ لا تَوَدُّون الناصِحين، وتُعادونَ المخلِصين، فكانَ هذا جزاءَكم، وفي الآخِرةِ عذابٌ أشدُّ وأبقَى.
{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79]
(الآيات 73 - 79 من سورة الأعراف)
أمرَ اللهُ إبراهيمَ عليهِ السلامُ بالإخلاصِ والاستِسلامِ له، والانقيادِ لأوامرِه، فأجابَ إلى ذلك، وأطاعَ وأخلصَ على أحسنِ ما يَكون، مُفَوِّضًا أمرَهُ كلَّهُ إلى الله.
قالَ سبحانَهُ مِن قائل: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131]
والاستِسلامُ الكاملُ للهِ من المواقفِ المشرِّفةِ والعَظيمة.
وذكرَ اللهُ تعالَى قصَّةَ نبيِّهِ إبراهيمَ مع قومهِ في عدَّةِ مواضعَ من كتابهِ الكريم، منها في سورةِ الأنبياء (الآيات 51 - 70) ، وفيها تتبيَّنُ جوانبُ من مواقفِ إبراهيمَ العظيمة، ومواقفَ وسلوكيَّاتٍ مخزيةٍ لقَومِه، وهذا بيانُها:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ} (الأنبياء: 51) :