فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 220

وهلاّ إذْ دخَلتَ بُستانَكَ وعجِبَكَ ما فيه، ذَكرْتَ خالِقَكَ الذي وَهبَكَ هذهِ النِّعمَة، فحَمِدْتَهُ وشَكَرتَهُ على ذلكَ وقُلتَ: ما شاءَ الله، لا قوَّةَ إلاّ بالله؟ فالأمرُ ما شَاءَ هوَ وحدَه، وما لم يَشأْ شَيئًا لا يَكون، ولا أقدِرُ على حِفظِ مالي ودَفعِ مَكروهٍ عَنهُ إلاّ بحَولِهِ وقوَّتِه.

ولمّا رأيتَني أقَلَّ منكَ ثَروَةً ووَلَدًا تَكبَّرتَ عَليَّ وتَعاظَمت، ولم تُفَكِّرُ بغَضَبِ اللهِ ونِقمَتِه؟

فعسَى أنْ يُعطيَني رَبِّي خَيرًا مِنْ بُستانِكَ جَزاءَ فَقري وصَبري، وإيماني واحتِسابي، وأنْ يَبعثَ على بُستانِكَ عَذابًا مُقَدَّرًا مِنَ السَّماء، كصاعِقَة، فيُصبِحَ أرضًا جَرداءَ مَلساء، لا نَباتَ فيها، عُقوبَةَ كُفرِكَ واستِكبارِك.

أو يُصبِحَ ماؤهُ غائرًا في الأرضِ بَعيدًا، لا تَنالُهُ الأيدي، وإذا حفَرتَ الأرضَ بَحثًا عَنهُ فلنْ تَجِدَه.

وأحاطَ الهَلاكُ والدَّمارُ ببُستانِهِ وأموالِه، وكانَ غافِلًا، يَستَبعِدُ ذلك، فأصبحَ آسِفًا حَزينًا، يَضرِبُ كَفًّا بكَفّ، على ما أنفقَ عليهِ مِنْ أمْوال، وهوَ ساقِطٌ على دَعائمِه، وفَوقَها أشجارُ العِنَب، وهوَ يَقولُ مُتنَبِّهًا ومُتذَكِّرًا مَوعِظَةَ صاحبِهِ المؤمِن: يا لَيتَني لم أُشرِكْ برَبِّي أحَدًا، ولو آمَنتُ وشَكرت، لزادَني وحَفِظَني في دِيني ومَالي.

ولم تَكنْ لهُ جَماعَةٌ تَقدِرُ على الانتِصارِ لهُ ودَفعِ الهلاكِ عَنْ مالِهِ وبُستانِهِ مِنْ دونِ الله، فهوَ سُبحانَهُ القَادِرُ على نَصرِهِ وحدَه، وما كانَ هوَ قادِرًا على دَفعِ ضُرٍّ عنْ نَفسِه، ولا مَنعِ نِقْمَةِ اللهِ عَنه.

(تفسير للآيات: 34 - 43 من سورة الكهف)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت