(الآيات 1 - 6 من سورة المطففين)
قالَ اللهُ تعالَى في كتابهِ العزيز: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 22 - 23] .
أي: هوَ اللهُ الذي يُمَكِّنُكمْ منَ السَّير في البَرِّ والبَحرِ بما مَهَّدَهُ وسَخَّرَهُ لكم، حتَّى إذا رَكِبوا السُّفُن، ودفَعَتهمُ الريحُ بسُرعةٍ مُناسِبةٍ تُعجِبُهم، وفَرِحوا بذلكَ واطمأنُّوا، هَبَّتْ عليها رِيحٌ شَديدة، وعلا بهمُ المَوجُ وارتفَعَ مِنْ كلِّ طرَف، وأيقَنوا أنَّ الهَلاكَ قدْ أحاطَ بهمْ وقَرُبَ غَرَقُهم، أخلَصوا الدَّعاءَ للهِ وحدَه، ولم يُشرِكوا معَهُ في دُعائهمْ أحدًا، لا صَنمًا ولا وثَنًا، قائلين: يا رَبّ، لئنْ خلَّصتَنا منْ هذا الكَرْب، وأنقَذْتَنا مِنَ الغرَق، لنَكوننَّ منَ الشَّاكرينَ لكَ بالإيمانِ والطَّاعة، ولنْ نُشرِكَ بكَ شَيئًا.
فلمّا أنجاهُمْ منْ ذلكَ الكَرْبِ والشدَّة، إذا همْ يَرتَدُّونَ إلى جاهليَّتِهم، فيَظلِمونَ النَّاس، ويُفسِدونَ في الأرْضِ علانيَّة، لا يَخافونَ رَبًّا ولا يَخشَونَ عَذابًا. يا أيُّها النَّاس، اعقِلوا واحذَروا، فإنَّ هذا الظُّلمَ الذي تُمارِسونَه، والفسادَ الذي تَنشُرونَه، والدِّماءَ التي تَسفِكونَها، والإعلامَ المُضَلِّلَ الذي تَبثُّونَه، إنَّما هوَ جِنايةٌ على أنفسِكم، فوَبالُهُ يَعودُ عليكم، وعاقِبتُهُ تَرجِعُ عليكم، ولا تَضرُّونَ اللهَ بهِ شَيئًا، وما أنتُمْ فيهِ مَتاعٌ قَليل، ولذَّةٌ فانِية، وحيَاةٌ قَصيرة، ثمَّ تَعودونَ إلينا يومَ الحِساب، فنُخبِرُكمْ بجميعِ ما كسَبتُموه، ونُحاسِبُكمْ عليهِ ونُوفِيكمْ حَقَّه، فانتَظِروا ذلكَ اليَوم.