اللهُ الذي أخرَجَ الذينَ كفَروا مِنْ يَهودِ بَني النَّضيرِ مِنْ ديارِهمْ بالمَدينَة، في أوَّلِ حَشرِهمْ وإخراجِهمْ إلى الشَّام. فكانَ هذا أوَّلَ إجلاءٍ لهمْ مِنْ جَزيرَةِ العَرب، ثمَّ أجلَى آخِرَهمْ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه. ما ظنَنتُمْ أيُّها المسلِمونَ عندَ حِصارِكمْ لهمْ أنْ يَخرُجوا مِنْ حُصونِهمُ المَنيعَةِ بسُهولَة، لشدَّةِ بأسِهمْ وكثرَةِ عدَدِهمْ وعُدَّتِهم، وظَنُّوا همْ أنَّ حُصونَهمُ القويَّةَ تَمنَعُهمْ مِنْ بأسِ الله، فجاءَهمْ أمرُهُ بما لم يَخطُرْ لهمْ ببَال، وقذفَ في قُلوبِهمُ الهلعَ والخَوفَ الشَّديد، وصَاروا يُخرِبونَ ما في بُيوتِهمْ لئلاَّ يَستَفيدَ منها المسلِمون، وليَنقُلوا ما يَقدِرونَ عليهِ معَهم، ويُخرِبُها المؤمِنونَ مِنَ الخارِج، ليُوهِنوهُمْ ويَدخُلوا عَليهم. فاتَّعِظوا يا أهلَ العُقولِ والبَصائر، وتَفكَّروا في عاقِبَةِ مَنْ خالفَ أمرَ اللهِ ورسُولِهِ كيفَ يَحِلُّ بهمْ بأسُه، وما أُعِدَّ لهمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ أكبرُ وأفظَع.
وهذا معنَى قولهِ سبحانَهُ وتعالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (الحشر: 2)
أتبَعَ اللهُ رَسُولًا بعدَ رَسُول، وأتْبَعَهمْ بعيسَى عَليهِ السَّلام، وأنزَلَ عَليهِ الإنجيلَ - وليسَ هوَ الذي بينَ يدَي النَّصارَى اليَوم، فقدْ بدَّلوهُ وحرَّفوهُ - وجعَلَ في قُلوبِ الذينَ اتَّبَعوهُ مِنَ الحَواريِّينَ رِقَّةً وخَشيَة، ورَحمَةً بالخَلق، ورَهبانيَّةً اخترَعوها مِنْ عندِ أنفُسِهم، وهيَ المُبالغَةُ في العِبادَةِ والانقِطاعُ عنِ النَّاسِ والزُّهدُ في الدُّنيا، ما فرَضَها اللهُ عَليهم، ولكنَّهمْ أَلزَموا بها أنفُسَهمْ يَبتَغونَ بذلكَ رِضوانَ الله، فما حافَظوا عَليها، ولا قاموا بحقِّها، بلْ ضيَّعُوها، وضَلُّوا وأشرَكوا، ومنهمْ مَنْ أقامَ على الدِّينِ الحقّ، حتَّى جاءَ