أيُّها المؤمِنون، لا تتَّخِذوا عَدوِّي وعدوَّكمْ مِنَ الكافِرينَ أصدِقاءَ تُوالُونَهم، تَمُدُّونَ إليهمْ يدَ المحبَّةِ والتَّقارُب، وقدْ كفَروا بالقُرآنِ المُوحَى بهِ مِنْ عندِ الله، يُخرِجونَ الرسُولَ وإيَّاكمْ مِنْ بينِ أظهُرِهم، لا لشَيءٍ إلاّ لإيمانِكمْ بربِّكمْ وإخلاصِكمُ العِبادَةَ لهُ وَحدَه، فلا تتَّخِذوهمْ أصدِقاءَ إنْ كنتُمْ خرَجتُمْ مُجاهِدينَ في سَبيلي تَبتَغونَ مَرضاتي، تُشعِرونَهمْ بالمَودَّةِ سِرًّا وأنا أعلَمُ بما أخفَيتُموهُ في صُدورِكمْ وما أظهَرتُموهُ بألسِنَتِكم، ومَنْ يَفعَلْ ذلكَ منكمْ فقدْ أخطأَ طَريقَ الهُدَى وانحرَفَ عنِ الصَّواب.
وهو معنى قولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} (الممتحنة: 1)
{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (الجمعة: 11)
قالَ جابِرٌ رَضيَ اللهُ عنه: أقبَلَتْ عِيرٌ - أي قافِلَةٌ مُحمَّلَةٌ بالمَتاعِ - يَومَ الجُمُعَة، ونحنُ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فثارَ النَّاسُ إلاّ اثنَي عشرَ رَجُلًا، فأنزلَ الله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا ... } . رَواهُ البُخاريُّ في صَحيحِه.
وتفسيرُ الآية: إذا رَأَوا تِجارَةً قادِمَة، أو تَصفيقًا وطَبلًا، أو دُفًّا يُضرَبُ بهِ لاستِقبالِ القافِلَة، تَفرَّقوا مِنْ عندِكَ وقامُوا إلى التِّجارَة، وترَكوكَ قائمًا تَخطُبُ على المِنبَر، قُلْ لهمْ أيُّها الرسُول: إنَّ ما أعدَّهُ اللهُ مِنَ الأجرِ والثَّوابِ في الدَّارِ الآخِرَة، خَيرٌ مِنَ القِيامِ إلى اللَّهوِ وطلَبِ البَيعِ والشِّراءِ في هذا