قالَ لهمْ ذو القَرنَين: ما قَوَّاني اللهُ عَليهِ وأعطاني مِنَ المُلْكِ والتَّمكينِ خَيرٌ وأفضَلُ مِنَ الذي تَجمَعونَهُ لي مِنَ المال، فدَعُوا هذا وسَاعِدوني بقُوَّتِكمْ وما عندَكمْ مِنْ موادّ، لأجعلَ بينَكمْ وبينَهمْ حاجِزًا قَويًّا وسَدًّا حَصينًا.
أعطوني قِطَعَ الحديدِ الضَّخمَة. فجلَبوها له، وصارَ يَبني بها ما بينَ الجبَلَين. حتَّى إذا سَوَّى بها ما بينَ طَرَفَيه، قالَ للعُمَّال: انفُخوا في النَّارِ بالكِيران. حتَّى إذا صارَ الحديدُ أحمرَ كالنَّار، قالَ لهم: أعطوني النُّحاسَ المُذابَ لأُفرِغَهُ عَليه.
فما استَطاعَ يأجوجُ ومَأجوجُ أنْ يَعلُوا عَلى ذلكَ السَّدّ، لارتِفاعِهِ ومَلاسَتِه، وما استَطاعُوا أنْ يَنقُبوهُ ويَخرُقوه، لصَلابَتِهِ وثَخانَتِه.
قالَ ذو القَرنَينِ رَحِمَهُ اللهُ في تَواضُع، شاكِرًا للهِ على ما وفَّقَهُ إليه: هذا السَّدُّ نِعمَةٌ منَ اللهِ لأهلِ هذهِ البلادِ ومَنْ بَعدَهم، فإذا جاءَ وعدُ ربِّي يَومَ القِيامَة، أو عندَ خروجِ يأجوجَ ومأجوجَ قَبلَ ذلك، جعَلَهُ مَدكوكًا وسَوَّاهُ بالأرض. وما وعدَ اللهُ بهِ حَقٌّ ثابِتٌ لا خُلْفَ فيه.
وذُكِرَ أنَّ آثارَ هذا السَّدِّ مازالتْ مَوجودةٌ في جُورجيا، في فَتحَةِ داريالَ بجِبالِ القَوقاز، التي كانتِ القَبائلُ المُتَوَحِّشَةُ تُغِيرُ منها على مَناطقِ جَنوبِ القَوقازِ وشَرقِ البَحرِ الأسوَدِ وغَربِ بَحرِ قَزوين. واللهُ أعلم.
(تفسير للآيات 93 - 98 من سورة الكهف)
{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ} (يس: 13)
واضرِبْ هذا المثَلَ الذي يَنطَبِقُ على حالِ المُشرِكين، فهؤلاءِ أصحابُ قَريَةٍ كانوا مُشرِكينَ مِثلَهم، فجاءَهمُ المُرسَلون.