{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} (محمد: 20)
ويَقولُ المؤمِنونَ الصَّادِقون، شَوقًا منهمْ إلى الجِهاد، وحِرصًا منهمْ عَليه: هلاّ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مِنَ القُرآنِ تأمرُنا بالجِهاد؟ فإذا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُبيِّنَة، لا تَشابُهَ ولا احتِمالَ فيها لغَيرِ الأمرِ بالقِتال، رأيتَ الذينَ في قُلوبِهمْ نِفاق، أو ضَعفٌ في الدِّين، يَنظُرونَ إليكَ نَظرَ المُحتَضَرِ الذي قَرُبَ مَوتُهُ، فزَعًا وجُبْنًا، وكانَ الأَولَى لهمْ مِنْ هذا الهلَعِ والضَّعْف، ومِنْ هذا النِّفاق.
كُفرُ الأعْرابِ ونِفاقُهمْ أعظمُ وأشَدُّ مِنْ كُفرِ غيرِهمْ منَ الكفّارِ والمُنافِقينَ في الحَضَر، لجَفائهمْ وغَلاظَتِهم، وتوَحُّشِهمْ وقَساوةِ قُلوبِهم، وهمْ أحرَى وأخلَقُ ألاّ يَعلموا أوامِرَ اللهِ ونَواهيَه، لعَدَمِ مُخالَطَتِهمْ أهلَ العِلمِ والحِكمة، وحِرمانِهمْ منِ استِماعِ الكتابِ والسنَّة. واللهُ عَليمٌ بأحوالِ الناس، حكيمٌ فيما قَسَمَ بينَهمْ منَ العِلمِ والجَهل، والهُدَى والضَّلال.
ومِنَ الأعرابِ مَنْ يَعُدُّ ما يَصرِفُهُ في سَبيلِ اللهِ ويَتصدَّقُ بهِ غَرامةً وخَسارة، ويَنتَظِرُ بكمُ الحوادِثَ والآفات، والمصائبَ والبَلايا، لتَتبدَّلَ حالُكمْ إلى الأسوأ، جَعلَ اللهُ نوائبَ السُّوءِ عليهم، والله يَسمعُ مَقالاتِهمُ السيِّئة، ويَعلَمُ نيّاتِهمُ الفاسِدة، وما يَستَحِقُّونَهُ منْ عِقاب.
وهُناكَ مِنَ الأعرابِ مَنْ يؤمِنُ باللهِ وباليَومِ الآخِر، ويَعُدُّ ما يُنفِقهُ في سَبيلِ اللهِ تَقَرُّبًا إلى الله، ويَبتَغونَ بذلكَ دُعاءَ الرسُولِ صلى الله عليه وسلم لهم، فقدْ كانَ يَدعو للمُتصَدِّقينَ بالخَيرِ والبَركة، ويَستَغفِرُ لهم، ألاَ إنَّ ذلك حاصِلٌ لهم، فسيُقرِّبُهمْ عملُهمْ هذا إلى الله، ويُدخِلُهمْ ربُّهمْ في رَحمتِهِ الواسِعة، وهوَ يَغفِرُ ذُنوبَ عبادهِ المؤمنينَ التائبينَ على كثرَتِها، ويَرحَمُهمْ برَحمتِه.