تفسيرٌ للآيات:
{الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
{وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
{وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
(سورة التوبة: 97 - 99)
سيَعتَذِرُ إليكَ الأعرَابُ الذينَ تَخلَّفوا عنِ المَسيرِ معَكَ إلى مكَّةَ عامَ الحُدَيبيَة. وكانَ الرسُولُ صلى الله عليه وسلم قدِ استَنفرَهمْ حذَرًا مِنْ أنْ تَعرِضَ لهُ حَرب، وقدْ أرادَ العُمرَةَ معَ أصحابِه، فخافَ الأعرَابُ أنْ تُجابِهَهمْ قُرَيشٌ بحَربٍ عَظيمَة، فاعتذَروا وقالوا لهُ مِنْ بَعد: لقدْ شغَلَتْنا عنِ الذَّهابِ معكَ أموالُنا ونِساؤنا وذَرارينا، فلم ْ يَكنْ هُناكَ مَنْ يَحفَظُهمْ في غيابِنا، فادْعُ اللهَ أنْ يَغفِرَ لنا تخَلُّفَنا عنك. يَقولونَ ذلكَ بألسِنَتِهم، خِلافَ ما يُبطِنونَهُ في قُلوبِهم.
قُلْ لهمْ أيُّها الرسُول: فمَنْ يَستَطيعُ أنْ يَرُدَّ شَيئًا مِنْ قَدَرِ اللهِ إنْ أرادَ بكمْ شَرًّا وعُقوبَة، أو أرادَ بكمْ خَيرًا ومَثوبَة؟ لا أحدَ يَستَطيعُ أنْ يَمنعَ ذلكَ ويَدفعَه، فالأمرُ كلُّهُ بيدِه، وقدْ ظَننَتُمْ أنَّ تَخَلُّفَكمْ سيَجلُبُ لكمْ نَفعًا، ويَدفَعُ عَنكمْ ضُرًّا! بلْ كانَ اللهُ عَليمًا بسبَبِ تَخَلُّفِكم، مُطَّلِعًا على سَرائرِكم، وسيُجازيكمْ على ذلك.
بلْ كانَ تَخَلُّفُكمْ لظَنِّكمُ السيِّء، فحَسِبتُمْ أنَّ الرسُولَ صلى الله عليه وسلم ومَنْ صَحِبَهُ مِنَ المؤمِنينَ سيُلاقُونَ حَربًا شَديدَةً مِنْ قُرَيشٍ وغَيرِها، وأنَّهمْ لنْ يَرجِعوا إلى أهاليهمْ سالِمين، وسيُقضَى عَليهمْ كُلِّهم، وزُيِّنَ هذا الظنُّ