وأرسَلَ اللهُ إلى قَبيلةِ مَدْيَن - وهوَ اسمُ مدينةٍ أيضًا، قُربَ مَعَان - أخاهُمْ في النسَبِ شُعَيبًا، فقالَ لهمْ ناصِحًا ومُحَذِّرًا: يا قَوم، اعبُدوا اللهَ وحدَه، ولا تُشرِكوا في عِبادتهِ أحدًا مِنْ أصنامِكمُ التي تَزعُمونَ أنَّها آلهة، فإنَّهُ لا إلهَ لكمْ غيرُ الله، وقدْ جاءَتكمْ آيةٌ بيِّنة، ومُعجِزةٌ ظاهِرةٌ مِنْ ربِّكم، تدلُّ على صِدقِ رِسالتي إليكم، فاسمَعوا التَّوجيهاتِ الربَّانية، والنصائحَ النبويَّة، التي تأخذُ بيدكمْ إلى السَّعادةِ والنَّجاة:
أتِمُّوا المِكيالَ ولا تَنقُصوا مِنْ مَقاديرِ مَقاييسِ الوَزنِ والكَيْل، واعدِلوا في وَزنِ الميزان، ولا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم، ولا تَخونُوهمْ في أموالِهمْ ومُبايعاتِهمْ خُفْيَةً وتَدليسًا.
ولا تُفسِدوا في الأرضِ بالكفرِ والظُّلم، والتحايلِ والخيانة، بعد إصلاحِ أمرِها وأهلِها بالشَّرائعِ الربّانية، فإنَّهُ خيرٌ لكمْ وأفضلُ لمجتَمعِكمْ وأهليكمْ منَ الظُّلمِ والفسادِ الذي أنتمْ فيه، هذا إذا تدبَّرتمْ ما أقولُ ووَعيتُموهُ وآمنتُمْ بأنَّهُ الأحسَنُ والأَولى.
وقالَ شُعيبٌ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ أيضًا وهوَ يَعِظُ قومَهُ، وكانَ يُسمَّى خطيبَ الأنبياء، لفَصاحةِ عبارتِه، وجَودةِ حوارِه، ومهارتهِ في الحديث: ولا تَقعُدوا بالطرُقِ تخوِّفونَ النَّاسَ وتُهَدِّدونهمْ بالقَتلِ والأذَى، وتَمنعونَ الناسَ عنْ دينِ الله، وتَقولونَ إنَّ شُعيبًا كذَّابٌ فلا يَصرِفنَّكمْ عنْ دينِكم، وتتوعَّدون الذينَ آمنوا بهِ بافتِتانِهمْ عنْ دِينِهم، وتَبغونَ مِنْ دِينِ اللهِ الميَلانَ والعُدولَ عنِ الحقِّ ليوافِقَ أهواءَكم.
وتَذكَّروا كيفَ أنَّكمْ كنتُمْ قِلَّةً مُستَضعَفين، فوهبَكمُ الذريَّةَ وزادَ منْ عددِكمْ حتَّى صِرتُمْ كُثُرًا.
وتَفَكّروا واعتَبِروا بمنْ كانَ قبلَكمْ مِنْ قَومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ ولوط، وما حلَّ بهمْ منَ العَذابِ نَتيجةَ فسادِهمْ وعِصيانِهمْ وتكذيبِهمْ رُسُلَهم.