منَ المؤمنينَ مَنْ يَهَبُ ما ملكَ ليَنفُذَ بإيمانِه؛ طلبًا لرضَى الله، كما فعلَ صُهَيبٌ الروميّ، عندما أسلمَ بمكَّةَ وأرادَ الهِجرةَ إلى المدينة، فمُنِع، فتجرَّدَ منْ مالهِ وتخلَّصَ منهمْ بذلك. فمثلُ هذا يرحمهُ الله.
والآيةُ التاليةُ في كلِّ مجاهدٍ في سبيلِ الله، يَهَبُ روحَهُ ليَرضَى عنهُ الله، تاركًا الدُّنيا وما فيها، لينتصرَ لدينِ الله، فتَنتَشِرُ المبادئُ العَظيمة، والأحكامُ العادِلة. فشتّانَ بين المنافِقِ وما طَلب، وبينَ المؤمنِ المجاهدِ وما وَهَب.
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ} (البقرة:207)
وبيَّنَ الله تعالَى في آيةٍ أخرى، أن الذين آمَنوا وسلَكوا منهجَ الحقّ، وهاجَروا فتركوا أموالَهمْ ومنازِلَهمْ وأهلِيهم، وجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ وصَبَروا على ذلكَ طاعةً لله، فإمّا نَصرٌ أو شَهادة، فإنَّهمْ يَنتظرونَ بُشرَى ثمرةِ إيمانِهمْ وصَبرِهم: الفوزَ والرحمة، واللهُ يَغْفِرُ لهمْ ما سَلف، ويرحمُهمْ برَحمتهِ الواسِعة.
قالَ اللهُ تعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة:218)
وكانَ المؤمنونَ معَ جهادِهمْ وطلبِهمْ رِضاءَ اللهِ يَقولون: ربَّنا اغفِرْ لنا ما اقتَرَفنا مِنْ ذنوب، وما تجاوَزنا فيهِ الحدّ، وفرَّطنا ِمنْ أمر، وأيِّدْنا بتأييدٍ مِنْ عندِكَ في مَواطنِ الحَرب، وثبِّتنا على دينِكَ الحقّ، وانصُرنا على أعدائكَ وأعداءِ دينِكَ منَ القَومِ الكافِرين.
{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [آل عمران:147]