فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 220

وتابَ اللهُ على الثلاثةِ منَ الصَّحابةِ الذينَ تَخلَّفوا عنْ غَزوةِ تبوكَ تكاسُلًا لا نِفاقًا، وقدْ تابُوا إليه. وتأخَّرَ نزولُ توبَتِهمْ عنْ آخَرِينَ ممَّنْ ربَطوا أنفسَهمْ بسواريِّ المسجِدِ حتَّى يَتوبَ اللهُ عليهم، فتابَ عليهم، وبقيَ أمرُ الثلاثةِ مُعَلَّقًا، حيثُ لم يَفعلوا مثلَما فَعَلوا. وأمرَ رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بالإعراضِ عنهم، وعَدمِ مُجالَسَتِهمْ ومُحادثَتِهم. وتأخَّرَ أمرُهمْ إلى أنْ ضاقَتْ عليهمُ الأرضُ على رَحْبِها وسَعَتِها، وضاقَتْ قُلوبُهم، وامتلأتْ نُفوسُهمْ حُزنًا وغَمًّا، وتَحيَّروا، فلا يَدرونَ ما يَصنَعون، وعَلِموا أنَّهُ لا مَلجأ منْ سَخطِ اللهِ إلاّ بالإنابةِ إليه، والصَّبرِ على قَضائه، والاستِكانةِ إليه، وانتِظارِ الفرَجِ منْ عندِه، ثمَّ وفَّقَهمُ اللهُ للتَّوبةِ والثبَاتِ عليها إلى أنْ أنزلَ قَبولَ توبَتِهم؛ لصِدْقِ مَقالِهم، وإخلاصِهم، واللهُ كثيرُ قَبولِ التوبةِ مِنْ عباده، رَحيمٌ بهم، فلا يُعَذِّبُهمْ بذنوبِهمْ بعدَ قَبولِ تَوبتِهم، ولو كانتْ كثيرَة.

قالَ اللهُ تعالَى: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]

لمَّا عزَمَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على فَتحِ مكَّة، عَمَدَ الصَّحابيُّ حاطِبُ بنُ أبي بَلتَعةَ فكتبَ كتابًا إلى بَعضِ المُشرِكينَ يُخبِرُهمْ ببَعضِ أمرِ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأرسلَهُ معَ امرأة، فأُخْبِرَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بذلكَ وَحيًا، فبَعثَ عليًّا والزُّبَيرَ والمِقدادَ رَضيَ اللهُ عَنهمْ ليَأخُذوهُ منها، ثمَّ بعثَ إلى حاطِبٍ يَسألُهُ عنْ سبَبِ ما فَعلَه، فذكرَ أنَّهُ كانَ لخَوفٍ على قَراباتِهِ بمكَّة، ليتَّخِذَ عندَ المشرِكينَ يَدًا بذلك، فلا يُؤذُونَهم، وليسَ رِضًى بالكُفر. فنزَلَتِ الآيَة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت