أي: هَدَينا إبراهيمَ إلى التَّوحيد، وألهَمناهُ طَريقَ الخَيرِ والفَلاح، قَبلَ موسَى وهارون، وكُنّا عالِمينَ بأحوالِهِ ومَحاسِنِ صِفاتِه، واستِعدادِهِ لحَملِ الرِّسالَة.
إذْ قالَ لأبيهِ آزَرَ وقَومِهِ المشرِكين: ما هذهِ الأصنامُ التي تُلازِمونَ عِبادتَها؟
قالوا له: هكذا وجَدنا آباءَنا وأجدادَنا يَعبدُونَها، ونحنُ نتَّبِعُهمْ ونُقَلِّدُهمْ في ذلك.
قالَ لهمْ إبراهيمُ عَليهِ السَّلام: إنَّكمْ أنتُمْ وآباؤكمْ زائغونَ مُنحَرِفون، على غَيرِ هِدايَةٍ ودَليلٍ تَعبُدون.
قالوا لهُ مُتَعَجِّبينَ مِنْ تَخطِئَتِهِ إيّاهُم: أتَقولُ ذلكَ جادًّا أمْ لَعِبًا وهَزْلًا، فإنَّنا لم نَرَ مَنْ َتكَلَّمَ على آلهَتِنا، وعابَ عَلينا عِبادتَهمْ قَبلَك؟
قالَ لهمْ مُصَحِّحًا ومُنَبِّهًا: إنَّ هذهِ الأصْنامَ أحجَارٌ عَمِلتُموها بأيدِيكمْ ثمَّ زَعَمتُمْ أنَّها آلِهة، فليسَ فيها أيَّةُ صِفَةٍ مِنْ صِفاتِ الأُلوهيَّة، إنَّما خالِقُكمْ ورازِقُكمْ هوَ اللهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْض، الذي خَلقَهُنَّ ومَنْ فيهنَّ مِنَ الأحْياءِ والنَّباتِ والجَماد، وأنتُمْ جُزءٌ مِنْ هذهِ الأحياءِ المَخلوقَةِ بأمرِهِ وتَدبيرِه، وأنا أشهَدُ أنَّهُ هوَ الإلهُ الحَقُّ الذي لا إلهَ غَيرُه، ولا يُعبَدُ سِوَاه.
وواللهِ لأَمكُرَنَّ بأصنامِكمْ وأجتَهِدَنَّ في تَحطِيمِها بعدَ أنْ تَنتَهوا مِنْ عِبادَتِها وتَمضُوا.
فحَطَّمَها وجعلَها قِطَعًا، إلاّ الصَّنمَ الكبيرَ بينَها، لم يَكسِرْه، لعلَّهُمْ يَرجِعونَ إليهِ ويَسألونَهُ عمَّنْ داهَمَ آلِهَتَهمْ فكسَرَها وأذَلَّها هكذا، وكيفَ لم يُدافِعْ عَنها وهوَ كبيرُها؟! ثمَّ يَرجِعونَ إلى أنفُسِهمْ ويُدرِكونَ ما هُمْ فيهِ منْ وَهْمٍ وخطَأ.
وحينَ رجَعوا إلى أصنامِهمْ مرَّةً أُخرَى ورأَوها مَكسورة، تنادَوا قائلِين: مَنِ الذي أهانَ آلِهتَنا وفعلَ بها كُلَّ هذا؟ لا شَكَّ أنَّهُ ظالِمٌ مُتَعَدٍّ، قدْ عرَّضَ نفسَهُ لعِقابٍ كَبير.
قالَ بعضُ مَنْ سَمِعَ إبرَاهيمَ يَتعَرَّضُ لها ويُهَدِّدُ بكَسرِها: سَمِعنا شابًّا يَعِيبُها يُقالُ لهُ إبرَاهيم.
قالوا: فأَحْضِروهُ ليَراهُ النَّاسُ كُلُّهمْ ويَشهَدوا ما نُوقِعُ بهِ منْ عِقاب.