فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 220

فلمّا اجتمَعَ النَّاسُ - وكانَ هذا مَقصُودَ خَليلِ اللهِ إبرَاهيمَ عَليهِ السّلامُ - قالوا له: أأنتَ الذي حطَّمْتَ آلِهتَنا وكسَرتَها هكَذا يا إبرَاهيم؟

قالَ لهمْ عَليهِ السَّلام: بلِ الذي كسَرَها هوَ هذا الصَّنَمُ الكبير - الذي ترَكَهُ ولم يَكسِرْهُ - فاسْألوهمْ إذا كانَ بالإمكانِ أنْ يَنطِقوا ويَدُلُّوكمْ عَليه.

ففُوجِئوا بهذا الجَواب، بلْ أُفحِموا ولم يَعرِفوا كيفَ يَرُدُّونَ عَليه. وعندَما تدَبَّروا أنَّ قَولَهُ حَقّ، وأنَّ هذهِ الآلِهةَ المَزعومَةَ ما هيَ سِوَى أحجارٍ صَمَّاءَ لا قُدرَةَ لها على الحرَكةِ والكلام، ولا الدِّفاعِ عنْ نَفسِها، قالوا فيما بينَهم: بلْ أنتُمُ المُخطِئونَ بعِبادَةِ مَنْ لا يَتكَلَّمُ ولا يَفهَم، ولا يَضُرُّ ولا يَنفَع.

ثمَّ أطرَقوا رُؤوسَهمْ وهمْ في خَيبَةٍ وحَيرَة، وقالوا في عِنادِ الكافِرِ ومَنطِقِ المَهزوم: لقدْ عَلِمتَ يا إبرَاهيمُ أنَّ هذهِ الآلِهةَ لا تتَكلَّم، وأنَّنا كنّا نَعبُدُها معَ عِلمِنا بذلك!

قالَ لهمْ عَليهِ السَّلام: إذا كانتْ هذهِ الأحْجارُ لا تَنطِق، ولا تَستَطيعُ الدِّفاعَ عنْ نَفسِها، فكيفَ تُسَمُّونَها آلِهة، وكيفَ تَعبدُونَها مِنْ دونِ الله، وهيَ لا تَنفَعُكمْ بشَيء، ولا تَضُرُّكمْ بشَيء؟!

تُبًّا لكمْ على إصْرارِكمْ وتَشَبُّثِكمْ بالباطِل، وعِبادَتِكمْ لهذهِ الجَماداتِ التي تَدَّعونَ أُلوهيَّتَها وقدْ صَنَعتُموها بأيديكم، وهيَ غَيرُ قادِرَةٍ على نَفعِكمْ ولا الإضْرارِ بكم، أفلا تَتفَكَّرونَ فيما أنتُمْ فيهِ مِنْ ضَلالٍ وجَهل، وتَتدَبَّرونَ فيمَنْ يَستَحِقُّ العِبادَةَ حقًّا؟

ولمَّا انقطَعَتْ حُجَّتُهم، وضاقَتْ حيلَتُهم، لجَؤوا إلى الظُّلمِ والتَّعَسُّف، وقالوا: أحرِقُوهُ بالنَّار، حتَّى لا يَجرُؤَ أحَدٌ بَعْدَهُ أنْ يَقولَ مَقولتَهُ في آلِهتِنا، فانتَقِموا لها إذا أرَدتُمْ أنْ تَنصُروها حَقًّا.

وعندَما ألقَوهُ في النَّار، قُلنا لها: يا نارُ لا تُحرِقِيه، بلْ كوني لهُ بَرْدًا وسَلامًا وعافِيَة.

وأرَادوا أنْ يَمكُروا بهِ فيُحرِقُوهُ ليُطفِئوا بذلكَ نورَ الحَقّ، ولكنَّ اللهَ هوَ الذي مكرَ بهمْ وجعَلَهمْ خائبينَ مَغلوبِين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت