إذا بُسِطَ لهمُ الرِّزقُ وجاءَتهمُ الثِّمارُ والزُّروع، والنَّعيمُ والرَّخاء، قالوا: هذا مِنْ عندِ الله، وإذا أُصِيبوا ببَليَّة، مِنْ جَدْبٍ وغَلاءٍ، ونَقصٍ في الثِّمار، أو مَوتِ أولادٍ أو غَيرِ ذلك، قالوا للرسُولِ صلى الله عليه وسلم: هذا جاءَنا مِنْ قِبَلك، لأنَّنا اتَّبعناكَ واقتدَينا بدينِك! وكما قال سبحانَهُ في مثلِ ذلك: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} [سورة الأعراف: 131] . وهكذا كانَ المنافِقون، إذا أصابَهم الشرُّ أسنَدوهُ إلى اتِّباعِهمْ النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
قلْ لهمْ أيُّها الرسُول: كلٌّ مِنْ عندِ الله، فالحسَنةُ والسيِّئة بقضاءِ اللهِ وقدَره، والنِّعمَةُ والبَليَّةُ مِنْ عندِه، وقَضاؤهُ ماضٍ في البَرِّ والفاجِر، ونافِذٌ في المؤمنِ والكافر، فما لهؤلاءِ القَومِ مِنَ اليهودِ والمنافِقينَ قدِ ابتُلوا بقلَّةِ الفَهمِ والعِلم، وكثرةِ الجَهلِ والظُّلم، ولا يَكادونَ يَفهَمونَ كلامًا يُوعَظونَ به؟!
{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ القَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء:78]
ترَى الذينَ في قلوبِهمْ شَكٌّ ونِفاق، ممَّنْ يُوالُونَ اليَهود، ويُبادِرونَ إلى مَعونتِهمْ ومَودَّتهم، يَقولونَ في سَببِ موقفِهم: إنَّهمْ يَخشَونَ أنْ يَنتصِرَ الكافِرونَ على المسلِمين. فهمْ يوالونَ المسلِمينَ حتَّى تبقَى لهمْ يدٌ عندَهم، أو أنَّهمْ لا يَنقطِعونَ عنهمْ لمظنَّةِ حاجتِهمْ إلى أموالِهمْ في وقتِ جَدْبٍ وقَحْط!
أي أنهمْ يوالُونَ الفَريقَين، وموالاتُهم للمُسلمينَ خشيةَ ألّا يَتمَّ أمرُهم، فيدورَ الأمرُ عليهم، ويُصيبَهم مكروهٌ من الكفّار! وهذا مِن تَذبذُبِهمْ ونِفَاقِهم، وخَوفِهمْ على أنفُسِهم، وجعلِهمْ مَصلَحتَهمُ المؤقَّتةَ مبدأَهم.
فعسَى أنْ يَفتَحَ اللهُ عليكمُ أيُّها المسلِمون، فيَنصُرَكم، عندَ فتحِ مكَّة، أو فتحِ قُرَى اليهود، مثلِ خَيبرَ وفَدَك، أو إجلاءِ بني النَّضِير، أو قتلِ وسَبي ذَراريِّ