كما أكرَمَني بالجاهِ والغِنَى في هذهِ الدُّنيا! فلَنُعلِمَنَّ الكافِرينَ بأعمالِهمُ السيِّئة، وعَقيدَتِهمُ الفاسِدَة، ولنُذيقَنَّهمْ عَذابًا شَديدًا مؤلِمًا في الآخِرَة.
وإذا أنعَمنا على الإنسَانِ بالمالِ والجاهِ والعافية، أعرَضَ عنِ الطَّاعَةِ والشُّكر، وتكبَّرَ وشمخَ بأنفِهِ واستَكبَرَ عنِ الانقِيادِ لأمرِ الله، وإذا أصابَهُ فَقرٌ وبَلاء، دَعانا دُعاءً كثيرًا متواصِلًا.
قُلْ للمشرِكينَ أيُّها الرسُول: أخبِروني، لو كانَ هذا القُرآنُ مِنْ عندِ الله، ثمَّ كذَّبتُمْ به، معَ وضوحِ الأدِلَّةِ على أنَّهُ الحقُّ مِنْ رَبِّكم، فمنْ يَكونُ أشقَى حالًا، وأبعدَ عنِ الحقِّ منكم؟
سنُظهِرُ للإنسانِ مِنَ الآياتِ الكونيَّةِ العَظيمَة، ومِنْ خَفايا تَكوينِهم النفسيِّ وتَركيبِهمُ العُضويِّ، ما يُسَلِّمونَ بهِ أنَّ هذا الدِّينَ حقّ، وأنَّ القُرآنَ كلامُ رَبِّ العالَمينَ المُعجِزُ. أوَلا يَكفي أنَّ اللهَ شاهِدٌ على كُلِّ شَيءٍ في هذا الكَون، فلا يَغيبُ عنهُ أمر، ولا تَخفَى عليهِ خافيَة، وأنَّهُ يَشهَدُ أنَّ محمَّدًا رَسولُه، صادِقٌ فيما يُخبِرُ عنه؟
(تفسير للآيات 49 - 53 من سورة فصِّلت) : {لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ. وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} .
{إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [1] :
(1) قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله:
أي أن في طبع الإنسان الكُنودَ لربه، أي كفرانَ نعمته، وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوتٍ فيه، ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكُمَّل أهل الصلاح؛ لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه، وهو أمر في الجبلَّة، لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكُّرُ حقِّ غيره. وبذلك قد يذهل أو ينسَى حق الله، والإِنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته، ويتوانى أو يغفل عن مقاومته؛ لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه. والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخُلق منها، والعزائم متفاوتة في استطاعة مغالبته. وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (التحرير والتنوير) .