{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}
إنَّا ابتلَينا كُفَّارَ مكَّةَ بالقَحطِ والجُوعِ لمَّا كفَروا بنِعمَةِ اللهِ وجحَدوا برِسالَةِ الإسْلام، كما ابتلَينا أصحابَ البُستان، المُشتَمِلِ على أنوَاعِ الفَاكهةِ والثِّمار، عندَما أقسَمَ أصحابُهُ أنَّهمْ سيَقَطَعونَ ثِمارَهُ في الصَّباحِ الباكِر، قَبلَ أنْ يَعلمَ بهمْ سائلٌ أو فَقير.
ولا يَتركونَ منهُ شيئًا للمسَاكين.
فأحاطَ بالبُستانِ بَلاءٌ مِنْ عندِ اللهِ ليلًا، وهمْ نائمونَ غافِلون.
فأصبَحَ مثلَ الزَّرعِ المَحصُود، أو الأشجارِ المَجنيَّةِ ثِمارُها.
فنادَى بَعضُهمْ بَعضًا في وَقتِ الصَّباح:
اخرُجوا إلى بُستانِكمْ إذا كنتُمْ تُريدونَ قَطفَ ثِمارِه.
فمشَوا إليهِ وهمْ يَتكلَّمونَ بهُدوء، حتَّى لا يَسمعَهمْ أحَد، ويَقولون:
لا تُمَكِّنوا أحدًا مِنَ المسَاكينِ يَدخُلْ عَليكم.
فعزَموا على مَنعِهم، وصَاروا قادِرينَ على ذلكَ.
فلمَّا وصَلوا إليه، ووَقعَ نظَرُهمْ عليه، قالوا: لقدْ أخطَأنا الطَّريقَ إلى البُستَان، فليسَ هذا بُستانَنا!
ولكنَّهمْ لمَّا وقَفوا على حَقيقةِ الأمرِ قالُوا: لم نُخطِئِ الطَّريق، فهذا بُستانُنا، ولكنَّنا حُرِمنا خَيرَه، لحِرمانِنا المسَاكينَ مِنْ خَيرِه، فلا حظَّ لنا فيهِ ولا نَصيب.
قالَ أحسَنُهمْ وأرجَحُهمْ عَقلًا: ألمْ أقُلْ لكم: هلاَّ ذَكرتُمُ اللهَ وشَكرتُمْ نِعمَه، وأعطَيتُمْ حقَّ المساكينِ منه؟
قالوا وهمْ نادِمون: تَبارَكَ اللهُ وتَنزَّهَ عنْ ظُلمِ عِبادِه، لقدْ كنَّا نحنُ الظَّالمينَ إذْ لم نَشكُرْ نِعمتَه، وعزَمنا على مَنعِ الفُقَراءِ مِنْ ثِمارِ البُستَان.
ثمَّ أقبلَ بَعضُهمْ يَلومُ بَعضًا على ما صدَرَ منهمْ بحقِّ المساكِين.
قالوا: يا هَلاكَنا ويا سُوءَ فعلِنا، لقدْ تَجاوَزنا حُدودَ اللهِ ومَنَعْنا حُقوقَ المساكِين، فأصابَنا ما أصابَنا.