فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 220

واطلُبْ بهذهِ الأموَالِ التي أعطاكَها اللهُ طاعتَهُ وشُكرَهُ والإنفاقَ منها فيما يُرضِيه، ليَجلُبَ لكَ ذلكَ الرِّضَى والثَّوابَ في الدَّارِ الآخِرَة، ولا تَترُكْ حظَّكَ مِنَ الدُّنيا، ممَّا أحلَّ اللهُ لكَ منها مِنَ المأكَلِ والمَشرَبِ والمَلبَس، والمَسكَنِ والمَنْكَح، وأَحسِنْ بطاعَةِ اللهِ كما أحسَنَ إليكَ بنِعمَتِه، وأحسِنْ إلى خَلقِهِ كما أحسَنَ هوَ إليك، ولا تَطلُبْ بأموالِكَ الفسَادَ في الأرضِ والإساءَةَ إلى الخَلق، واللهُ لا يُحِبُّ مَنْ أفسدَ وعصَى، وأجرمَ وبَغَى.

قالَ لهمْ قارُونَ غَيرَ آبِهٍ بنُصحِهم: هذهِ الأموَالُ التي عِندي حصَّلتُها بعِلمي وخِبرَتي في المَكسَبِ والتِّجارَة. أوَلمْ يَسمَعْ قارونُ مِنْ كلامِ الأنبِياءِ أو ممَّا يَقُصُّهُ النَّاسُ أنَّ اللهَ قدْ أهلكَ مِنْ قَبلِهِ مِنَ القُرونِ الماضيَةِ مَنْ كانَ أشَدَّ قُوَّةً منهُ وأكثرَ جَمعًا للأموَالِ والخَدَمِ والحشَم، ولم يَكنْ ذلكَ عنْ محَبَّةٍ لهم، ولذلكَ أهلَكَهم؛ لكُفرِهم، وعدَمِ شُكرِهمْ لنِعَمِ اللهِ عَليهم.

ولا يُسألُ ُأمثالُ هؤلاءِ المشرِكينَ المُجرِمينَ عنْ ذُنوبِهمْ يَومَ القيامَة، لكَثرَتِها التي تُوجِبُ العَذاب، وكفى بالشِّرْكِ مُوجِبًا للعَذاب، فيَدخُلونَ النَّارَ بغَيرِ سُؤالٍ ولا حِساب، وإنَّما يُسألونَ سُؤالَ تَقريعٍ وتَوبِيخ.

وفي يَومِ خُروجِ قارُونَ على قَومِهِ بزِينَةٍ عَظيمَةٍ ومَوكبٍ فاخِر، معَ خدَمِهِ وحشَمِه، قالَ الذينَ يُريدونَ زُخرُفَ الدُّنيا وزِينتَها: يا لَيتَ لنا مِنَ الأموَالِ والخدَمِ والزِّينَةِ مثلَما أُعطِيَ قارُون، لا شَكَّ أنَّهُ ذو حَظٍّ وافِرٍ وحَياةٍ سَعيدَة.

وقالَ لهمْ أهلُ العِلمِ والتَّقوَى: بئسَ ما قُلتُم، إنَّ ما عندَ اللهِ مِنَ الثَّوابِ والأجْرِ في اليَومِ الآخِرِ أفضَلُ ممَّا تتَمَنَّونَهُ في الحيَاةِ الدُّنيا، هذا لمَنْ آمنَ بصِدقٍ وعَمِلَ العمَلَ الصَّالِح، ولا يُؤتَى ذلكَ إلاّ الصَّابِرونَ على طاعَةِ الله، الصابِرونَ عنِ المعاصِي والشَّهوات.

وفي يَومِ زِينَتهِ وفَخرِهِ وطُغيانِهِ خسَفنا بهِ وبِدارِهِ وأموالِهِ الأرْض، فابتلَعَتْهم، وغارَتْ بهم، فما كانتْ هُناكَ جَماعَةٌ مِنْ أنصارِهِ تَدْفَعُ عنهُ نِقمَةَ اللهِ وعَذابَه، وما كانَ هوَ قادِرًا على الانتِصارِ لنَفسِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت