وأما الضمّة المتأخّرة التى تتبعها حركة ما قبلها، فنحو ضمّة الراء فى {وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} [1] والظاء فى {وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} [2] وليس الضمّ في هذا النحو لازما كلزومه في منذ، وإنما هو شيء استحسنه بعض العرب، والكسر أكثر، كما أن الفتح في شدّ ومدّ وردّ أكثر، والكسر مستعمل فيه، تقول: ازرر قميصك وزرّه وزرّه وزرّه [3] ، وحرّكوا ميم «هلمّ [4] » بالفتح خاصة؛ لأنها كلمة مركّبة، وللمركّب حكم غير حكم المفرد.
والثالث: أن يكون العدول عن الكسر إلى الفتح لكثرة استعمال الحرف، كتحريك نون «من» بالفتحة إذا لقيتها لام التعريف في نحو: {مِنَ الْقَوْمِ} [5] لكثرة دور لام التعريف في الكلام، /مع كثرة تصرّف «من» في المعانى، من حيث جاءت لابتداء الغاية في المكان، وللتبعيض، ولتبيين الجنس، في نحو {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ} [6] {وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ} [7] وجاءت للتوكيد زائدة في نحو
(1) سورة يوسف 31. وقراءة الضمّ هذه لابن كثير والكسائى ونافع وابن عامر. السبعة ص 348، والإتحاف 2/ 146، وانظر الكتاب 4/ 153، والأصول 2/ 369، وشرح المفصل 9/ 127، وانظر ظاهرة المماثلة-تقدّما وتأخّرا-فى كتاب اللهجات العربية في التراث وحواشيه ص 266 - 273.
(2) سورة الأعراف 143، وقراءة ضم النون لغير أبى عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب من القراء. الإتحاف 2/ 61.
(3) فصيح ثعلب ص 11، وانظر توجيه الحركات الثلاث في تصحيح الفصيح 1/ 185، واللسان (زرر) ، وقال ابن برّى: هذا عند البصريين غلط، وإنما يجوز إذا كان بغير الهاء، نحو قولهم: زرّ وزرّ وزرّ، فمن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن فتح فلطلب الخفة، ومن ضمّ فعلى الإتباع لضمّة الزاى. فأما إذا اتصل بالهاء التى هى ضمير المذكّر، كقولك: زرّه، فإنه لا يجوز فيه إلاّ الضمّ. . .» إلى آخر ما قال في كتابه التنبيه والإيضاح 2/ 128. وانظر الكامل ص 438، والمقتضب 1/ 184.
(4) راجع الكلام على «هلمّ» في المجلس السادس والخمسين.
(5) سورة الأنعام 77، وغير ذلك من الكتاب العزيز.
(6) سورة الحج 30.
(7) سورة الكهف 31.