فوردت معها، فرآها كليب فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة؟ فقال الرّعاء:
للبسوس جارة جسّاس، فرماها بسهم فانتظم ضرعها، فأقبلت الناقة تعجّ وضرعها يسيل دما ولبنا، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها ثم صاحت: وا ذلّاه، وا جاراه، فأحمشت [1] جسّاسا، أى أغضبته، فركب فرسه وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان، على فرسه ومعه رمح، فركضا نحو الحمى والخباء، فلقيا رجلا فسألاه: من رمى الناقة؟ فقال: من حلّأكما عن برد الماء، وسامكما الخسف فأقررتما به، فزادهما ذلك حميّة وغضبا.
/يقال: حلّأه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلانا الخسف: إذا أولاه الدّنيّة، وقيل: أراد ذلك منه.
رجع الحديث: فأقبلا حتّى وقفا على كليب، فقال له جسّاس: يا أبا الماجد، أما علمت أنها ناقة جارتى؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك، فمه؟ أتراك مانعى أن أذبّ عن حماى! فأحفظه ذلك-يقال: أحفظته إذا أغضبته-فحمل عليه فطعنه، وطعنه عمرو فقتلاه. وذلك قول مهلهل بن ربيعة أخى كليب:
وكليب قتيل عمرو وجسّا … س قد أودى فماله من تلاق [2]
وقال كليب لجسّاس، وهو يجود بنفسه: اسقنى ماء، فقال له جسّاس:
«هيهات! تجاوزت الأحصّ وشبيثا [3] » ، فذهب قوله مثلا، والأحصّ وشبيث:
ماءان [4] ، وفى ذلك هاجت حرب بكر وتغلب ابنى وائل أربعين عاما.
(1) بحاشية الأصل: «بخط الكندى: أحشمت فلانا وأحمشته لغتان» .
(2) من قصيدته التى فيها هذا البيت السيّار: ضربت صدرها إلىّ وقالت يا عديّا لقد وقتك الأواقى راجع الأغانى 5/ 54، وشرح الشواهد للعينى 4/ 211، ولم أجد فيهما هذا البيت المذكور هنا.
(3) ويروى: «تخطّى إلىّ شبيثا والأحصّ» مجمع الأمثال 1/ 145 (باب التاء) .
(4) فى بلاد نجد. معجم البلدان 1/ 149،3/ 257، وبالشام أيضا من نواحى حلب موضعان يقال لهما: الأحص وشبيث.