وشبيه بهذا وضع الجارّ في موضع الجارّ، لاتفاق الفعلين في المعنى، كقوله تعالى:
{مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [1] والجارى على ألسنتهم: ظفرت به، وأظفرنى الله به، ولكن جاء أظفركم عليهم، محمولا على أظهركم عليهم [2] .
ومن [3] زعم أنه كان حقّ الكلام: «لا تعد عينيك عنهم» لأن «تعدو» متعدّ بنفسه، فليس قوله بشىء، لأنّ عدوت وجاوزت بمعنى، وأنت لا تقول: جاوز فلان عينيه عن فلان، ولو جاءت التّلاوة [4] بنصب العينين، لكان اللفظ بنصبهما محمولا أيضا على: لا تصرف عينيك عنهم، وإذا كان كذلك فالذى وردت به التلاوة من رفع العينين يئول إلى معنى النّصب فيهما، إذ كان {لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ} بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم: لا تصرف عينيك عنهم، فالفعل مسند إلى العينين وهو في الحقيقة موجّه إلى النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، كما قال: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ} [5] فأسند الإعجاب إلى الأموال، والمعنى لا تعجب يا محمد بأموالهم. فتبيّن ما ذكرته في هذا الفصل، فإذا عرفته عرفت جهل الذى زعم أنه كان حقّ العينين في الآية النصب.
= وزدت «به» الأخيرة منه. وقد حكى البغدادىّ كلام ابن الشجرى هذا بشىء من التصرف. الخزانة 8/ 198.
(1) سورة الفتح 24.
(2) حكى ابن الجوزىّ في زاد المسير 7/ 439: «ظفرت بفلان، وظفرت عليه» ، وهو في اللسان (ظفر) عن الأخفش، فلا حمل إذن، وإنما الفعل يتعدّى بالباء، كما يتعدّى بعلى.
(3) من هنا إلى آخر الفقرة حكاه الزركشى في البرهان 3/ 340، عن ابن الشجرى، وحكى معظمه القرطبى 10/ 391، دون عزو.
(4) جاءت في الشواذّ. قرأ الحسن: «ولا تعد عينيك» بضمّ التاء وسكون العين وكسر الدال المخففة. قال ابن جنى: «هذا منقول من: عدت عيناك، أى جاوزتا، من قولهم: جاء القوم عدا زيدا، أى جاوز بعضهم زيدا، ثم نقل إلى أعديت عينى عن كذا، أى صرفتها عنه» . وقرئ أيضا في الشواذّ عن عيسى والحسن وَلا تَعْدُ بالتشديد. المحتسب 2/ 27، ومختصر في شواذ القراءات ص 79، وتفسير القرطبى.
(5) سورة التوبة 55، وانظر أيضا الآية 85