لسنا كمن حلّت إياد دارها … تكريت ترقب حبّها أن يحصدا [1]
أى لسنا كإياد، فدارها الآن ليست منصوبة بحلّت هذه، وإن كان المعنى يقتضى ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا بعد تمامه [2] ، وإنما هى منصوبة بفعل مضمر يدلّ عليه «حلّت» الظاهرة، كأنه قال فيما بعد: حلّت دارها، انتهى كلام أبى الفتح.
ومعنى البيت أنه خاطب صاحبيه، وقد كانا عاهداه بأن يسعداه ببكائهما عند ربع أحبّته، فقال: وفاؤكما بإسعادى مشبه للرّبع، ثم بيّن [3] وجه الشّبه بينهما بقوله:
«أشجاه طاسمه» يعنى أن الرّبع إذا تقادم عهده فدرس، كان أشجى لزائره، أى أبعث لشجوه، أى لحزنه، لأنه لا يتسلّى به المحبّ، كما يتسلّى بالرّبع الواضح، وكذلك الوفاء بالإسعاد إذا لم يكن بدمع ساجم [أى هامل، كان أبعث للحزن، فأراد ابكيا معى بدمع ساجم[4] ]فإن الدمع أشفى للغليل إذا سجم، كما أن الرّبع أشجى للمحبّ إذا عفا وطسم، كما قال جرير [5] :
لا تطلبنّ خئولة في تغلب … فالزّنج أكرم منهم أخوالا
غضبت العبيد من الزّنج، وقالوا: من يعذرنا من ابن الخطفى؟ من لنا بمن [6] يردّ عليه؟ فقال رجل منهم، يقال له: سفيح [7] بن رباح، مولى بنى ناجية: أنا
(1) للأعشى. ديوانه ص 231، واستقصيت تخريجه في كتاب الشعر ص 272، وأنشده أبو على أيضا في العسكريات ص 209، والبغداديات ص 361، وابن جنى في الخصائص 2/ 402،403،3/ 256
(2) تكلم عليه الجوهرى في الصحاح (منن) .
(3) بعض هذا الكلام للواحدى. راجع شرحه على الديوان ص 373.
(4) ساقط من هـ. وهو في شرح أبيات المغنى، الموضع السابق، حكاية عن ابن الشجرى.
(5) ديوانه ص 65، من قصيدة يهجو فيها الأخطل. وانظر نقائض جرير والأخطل ص 88، والكامل ص 688،862، ولا صلة بين قول جرير وقول المتنبى، إلاّ أن تكون في توجيه أفعل التفضيل في البيتين «أشجى» و «أكرم» فكما أريدت المبالغة في تأثير الربع الدارس على المحبّ، فكذلك أريدت المبالغة في وصف تغلب باللؤم، بأن الزنج أكرم منهم خئولة وصهرا.
(6) فى هـ: من.
(7) هكذا في الأصل وهـ، وضبط في الأصل بفتح السين وكسر الفاء. وقد اختلف في اسم هذا-