قوله تعالى: {وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ} [1] فإنّ الفاء جواب «أمّا» لأمرين، أحدهما: تقديمها على «إن» والآخر:
أنّ جواب «أمّا» لا يحذف في حال السّعة والاختيار، وجواب «إن» قد يحذف في الكلام، نحو ما قدّمته، ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [2] أى إن كنتم تؤمنون بالله فردّوه إلى الله والرسول، ونظيره في الكلام: أنت [3] ظالم إن فعلت، حذفت جواب إن فعلت، لدلالة قولك:
أنت ظالم، عليه.
فإن قيل: قد جاء حذف جواب «أمّا» في القرآن في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [4] .
قيل: إنما جاز ذلك، لأن تقدير الجواب: فيقال لهم: أكفرتم، والقول إذا أضمر [5] ، فهو كالمنطوق به.
وممّا سدّ فيه الجواب مسدّ الجوابين، قوله تعالى: / {وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} [6] قوله: {لَعَذَّبْنَا} سدّ مسدّ الجوابين، جواب لولا، وجواب لو، وكثيرا ما يحذفون جواب «لو» وذلك نحو
(1) سورة الواقعة 90،91، وراجع الكتاب 3/ 79، والمقتضب 2/ 70، والبحر 8/ 216، وتقدم في الزيادة الملحقة بالمجلس الحادى والثلاثين.
(2) سورة النساء 59.
(3) الكتاب، الموضع السابق، والبغداديات ص 327،459، والخصائص 1/ 283.
(4) سورة آل عمران 106.
(5) راجع معانى القرآن 1/ 228، ودراسات لأسلوب القرآن 1/ 332، وقد تكلم ابن الشجرى على إضمار القول في المجالس: التاسع، والمتمّ الستين، والثامن والسبعين.
(6) سورة الفتح 25، وتقدم في المجلس الحادى والثلاثين.