من أجل هذه الأحاديث وأمثالها وجد من العلماء من فَضَّل واحدة من هذه الثلاث على سواها. ولكن المحققين من العلماء قالوا: لا نفضل واحدة منهن بإطلاق، بل التفضيل يكون بحسب حاجة المجتمع إليها.
فحيث تقل الأقوات، ويكون المجتمع في حاجة إلى غذائه اليومي الذي لا عيش له إلا به، تكون الزراعة أفضل من غيرها، لحماية الأمة من الجوع، الذي هو بئس الضجيع، وتوفير الأمن الغذائي لها، وخصوصا إذا كان في الزراعة بعض المشقة والصعوبة، فالصبر عليها يكون من أفضل الأعمال.
وحيث تكثر الأقوات، وتتسع دائرة الزراعة، ويحتاج الناس إلى الصناعات المختلفة، للاستغناء عن الاستيراد من غير المسلمين من ناحية، ولتشغيل الأيدي العاملة من ناحية أخرى، ولحماية حرمات الأمة وحدودها - بالنسبة للصناعات الحربية - من ناحية ثالثة. ولتفادي نقص الكفاية الإنتاجية للأمة، من ناحية رابعة، هنا تكون الصناعة أفضل.
وحين تتوافر الزراعة والصناعة، ويحتاج الناس إلى من ينقل ما تنتجه هذه وتلك من البلاد إلى آخر، فهو وسيط جيد بين المنتج والمستهلك. وكذلك عندما يسيطر على السوق التجار الجشعون المحتكرون والمستغلون لحاجات جماهير الخلق، والمتلاعبون بأسعار السلع، فهنا تكون التجارة أفضل، وخصوصا إذا كان من الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وأحوج ما تحتاج إليه أمتنا في عصرنا، هو التكنولوجيا المتطورة، أن تدخل الأمة هذا العصر، وهي مسلحة بعلمه، غير غائبة ولا متخلفة، فلا تستطيع الأمة أن تنهض برسالة الإسلام الذي أكرمها الله به، وأتم عليها به النعمة، وأن تحمل دعوته إلى العالمين، وهي عالة على غيرها في أدوات العصر، وأسلحة العصر.