وهذا الذي ذكره الغزالي الفقيه في غاية الأهمية، وما أحوج دعاة الصحوة الإسلامية إلى فقهه ووعيه، وطالما دعوت منذ مدة شباب الصحوة والجماعات الدينية إلى ما سميته"فقه مراتب الأعمال"، وإعطاء كل عمل"سعره"الشرعي، ومكانه في سلم المأمورات والمنهيات، ولم أكن قرأت ما كتبه الغزالي هنا بهذا العمق والوضوح، وعبر عنه بهذه الكلمة الناصعة:"ترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور". وسيأتي في كلامه مزيد أمثلة.
والنموذج الآخر: يتمثل في بعض أرباب الأموال، والمغترون منهم فرق: (ففرقة بينهم) يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر، وما يظهر للناس كافة، ويكتبون أساميهم بالآجر عليهم، ليتخلد ذكرهم، ويبقى بعد الموت أثرهم، وهم يظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك، وقد اغتروا فيه من وجهين:
أحدهما: أنهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الظلم والنهب والرشا والجهات المحظورة، فهم قد تعرضوا لسخط الله في كسبها، وتعرضوا لسخطه في إنفاقها. وكان الواجب عليهم الامتناع عن كسبها، فإذ قد عصوا الله بكسبها فالواجب عليهم التوبة والرجوع إلى الله، وردها إلى ملاكها، إما بأعيانها، وإما برد بدلها عند العجز، فإن عجزوا عن الملاك، كان الواجب ردها إلى الورثة، فإن لم يبق للمظلوم وارث فالواجب صرفها إلى أهم المصالح، وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين، وهم لا يفعلون ذلك، خيفة من أن لا يظهر ذلك للناس، فيبنون الأبنية بالآجر، وغرضهم من بنائها الرياء، وجلب الثناء، وحرصهم على بقائها، لبقاء أسمائهم المكتوبة فيها لإبقاء الخير.