إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق، مما ينفق فيه هؤلاء"الطيبون"جهدهم وطاقتهم واهتمامهم، إنه في هذه المرحلة ليس أمر تتبع الفرعيات مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هي حدود الله، فحدود الله تقوم ابتداء على الاعتراف بحاكمية الله دون سواه، فإذا لم يصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة، تتمثل في اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع، واعتبار ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة، فكل جهد في الفروع ضائع، وكل محاولة في الفروع عبث، والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات"."
وممن تنبه إلى فقه الأولويات من رجال الإصلاح والتجديد: المفكر الإسلامي السوري المعروف الأستاذ محمد مبارك رحمه الله، فقد تحدث عن جانب مهم من هذا الأمر حديثا عميقا، في كتابه"الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية"، وهو في الواقع مجموع أبحاث أو محاضرات كتبها أو ألقاها في مناسبات مختلفة.
في هذا الكتاب تحدث عن"ضبط النسب في الإسلام"، وأنا أنقل ما كتبه بنصه لأهميته:
"وإلى جانب خاصة الوحدة في نظام الإسلام خاصة أخرى لا تقل عنها شأنا وهي ضبط النسب بين جوانب الحياة وقيمها، فالمال واللذة والعمل والعقل والمعرفة والقوة والعبادة والقرابة والقومية والإنسانية قيم من قيم الحياة، والإسلام جعل لكل منها موضعا في نظام الحياة ونسبة محدودة لا تتجاوزها، حتى لا تطغى قيمة على قيمة."