وهنا نقطة ينبغي توضيحها، وهي: أن الأولوية والأفضلية في كثير من الأمور لا تكون أولوية مطلقة في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وإن تفاوتت.
بل الغالب أنها تتفاوت بتفاوت المؤثرات الزمانية والبيئية والشخصية، ولهذا أمثلة كثيرة.
فقد اختلف علماؤنا: أي هذه الأعمال أفضل وأكثر مثوبة عند الله: الزراعة أم الصناعة أم التجارة؟
والذي دعاهم إلى هذا الاختلاف ما ورد من أحاديث في فضل كل منها.
ففي فضل الزراعة جاء حديث: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيْمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (1) .
وفي فضل الصناعة جاء حديث: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (2) .
وفي فضل التجارة جاء حديث: «اَلتَّاجِرُ الصَّدُوْقُ يُحْشَرُ مَعَ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ» (3) .
(1) متفق عليه عن أنس. انظر: اللؤلؤ والمرجان [1001] .
(2) رواه أحمد والبخاري عن المقدام. انظر: صحيح الجامع الصغير [5546] .
(3) رواه الترمذي عن أبي سعيد في البيوع [1209] ، وحسّنه في بعض النسخ، ورواه ابن ماجه عن ابن عمر في التجارات [2139] ، وفي إسناده راوٍ ضعيف.