ومما يذكر هنا أيضا في فقه الأولويات: أن الفرائض المتعلقة بحقوق الجماعة مقدمة على الفرائض المتعلقة بحقوق الأفراد. فإن الفرد لا بقاء له إلا بالجماعة، ولا يستطيع أن يعيش وحده، فهو مدني بطبعه، كما قال القدماء، أو هو حيوان اجتماعي كما قال المحدثون. فالمرء قليل بنفسه، كثير بجماعته، بل هو عدم نفسه، موجود بجماعته.
ومن هنا كان الواجب المتعلق بحق الجماعة أو الأمة أوكد من الواجب المتعلق بحق الفرد.
ولهذا قرر العلماء في التعارض بين الجهاد ـ إذا كان فرض كفاية ـ وبين بر الوالدين، أن بر الوالدين مقدم، كما ثبت من الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها. ولكن إذا كان الجهاد فرض عين، كما إذا غزا الأعداء الكفار بلدا من بلاد الإسلام، ففرض على أهله كافة أن يهبوا للدفاع عن بلدهم. فإذا عارض بعض الآباء أو الأمهات ـ بمقتضى عواطفهم ـ في اشتراك أبنائهم في هذا الجهاد الدفاعي، فلا عبرة بمعارضتهم شرعا.
صحيح أن برهما وطاعتهما فرض عين، كما أن الجهاد هنا فرض عين، ولكن فرض الجهاد هنا، لحماية الأمة كلها، ومنها الوالدان، فلو سقط البلد، أو هلك أهله، لهلك الأبوان فيمن هلك. فالجهاد هنا لمصلحة الجميع.
وقد يعبر عن ذلك بأن الجهاد هنا حق الله، والبر حق الوالدين، وحق الله تعالى مقدم على حق خلقه.
وهذا تأكيد للمقولة السابقة، فكثيرا ما تكون كلمة"حق الله"تعبيرا عن