وإذا كان فرض العين مقدما على فرض الكفاية، فإن فروض الأعيان تتفاوت فيما بينها أيضا. ولذا رأينا الشرع يؤكد في كثير من أحكامه تعظيم ما يتعلق بحقوق العباد.
ففرض العين، المتعلق بحق الله تعالى وحده يمكن التسامح فيه، بخلاف فرض العين المتعلق بحقوق العباد. فقد قال العلماء: إن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة.
ولهذا إذا كان الحج مثلا واجبا، وأداء الدين واجبا، فإن أداء الدين مقدم. فلا يجوز للمسلم أن يقدم على الحج حتى يؤدي دينه. إلا إذا استأذن من صاحب الدين، أو كان الدين مؤجلا، وهو واثق من قدرته على الوفاء به.
ولأهمية حقوق العباد هنا ـ وبخاصة الحقوق المالية ـ صح الحديث أن الشهادة في سبيل الله ـ وهي أرقى ما يطلبه المسلم للتقرب إلى ربه ـ لا تسقط عنه الدين.
ففي الصحيح:"يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين".
وفيه: أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر مقبل غير مدبر"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف قلت"؟ فأعاد الرجل سؤاله، وأعاد الرسول الكريم جوابه وزاد عليه:"إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك".