فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 264

ومثل القضاء: الفتوى، فلا يجوز أن يفتي الناس إلا عالم متمكن في علمه، فقيه في دينه، وإلا حرم الحلال، وأحل الحرام، وأسقط الواجبات، أو ألزم الناس بما لم يلزمهم الله، وأقر المبتدعات، أو بدع المشروعات، وكفر أهل الإيمان، أو برر كفر أهل الكفر. وهذا كله أو بعضه يقع ثمرة لغياب العلم والفقه، ولا سيما مع الجراءة على الفتيا، واستباحة حرمتها لكل من هب ودب. كما نرى ذلك في عصرنا، الذي أصبح أمر الدين فيه كلا مباحا يرعاه كل من شاء، من كل من له لسان ينطق، أو قلم يخط، مع شدة تحذير القرآن والسنة وسلف الأمة من اقتحام هذا الحمى الخطير، دون مؤهلاته وشروطه، وما أصعب استجماعها والتمكن منها!

ولقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم النكير على من تسرعوا بالفتوى في عهده، فأفتوا رجلا به جراحة أصابته جنابة أن يغتسل، دون رعاية لما به من جراح، فكان ذلك سببا في موته، فقال عليه الصلاة والسلام:"قتلوه قتلهم الله! ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم".

فانظر كيف اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم فتواهم قتلا له، ودعا عليهم بقوله:"قتلهم الله"! الفتوى الجاهلة إذن قد تقتل، وقد تدمر. ولهذا نقل ابن القيم وغيره الإجماع على تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم، وأدخله ضمن قوله تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) .

ونقل من الأحاديث وآثار الصحابة وأقوال السلف ما يسد الطريق على الأدعياء والمتطفلين، وأنصاف العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت